صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«جرائم التقنية»... مشروع مواده منظمة فعلياً بقانوني المعاملات الإلكترونية وهيئة الاتصالات!

مواده الخمس الأولى تتضمنها نظيراتها 32 و35 و37 من «المعاملات الإلكترونية» فلماذا الجديد؟!

تبحث اللجنة التشريعية البرلمانية، في اجتماعها اليوم، مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، المقر في مداولة أولى، والتعديلات النيابية المقدمة عليه. «الجريدة» أعدت دراسة تفصيلية عن أبرز الملاحظات والشوائب التي لحقت بالقانون، وتعارضه أو تطابقه مع قوانين أخرى، ما يثقل كاهل التشريعات بقوانين مكررة لذات الجرائم.

ويجدر بالمشرع الانتباه إلى حالات التكرار في التشريعات الكويتية ذات الصلة بشبكة الإنترنت، فهناك قانونا المعاملات الإلكترونية وهيئة الاتصالات والمعلومات المقران سلفا، إضافة إلى قانون الإعلام الإلكتروني الذي يناقش في اللجان البرلمانية، وقانون جرائم تقنية المعلومات المقر في مداولة أولى.

رغم إقرار مجلس الأمة مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، في مداولته الأولى، بأغلبية نيابية، فإنه لم يخلُ من الاعتراض والامتناع عن التصويت، بشأن التحفظ على بعض نصوصه.

 ورغم ما يبدو لدى قراءة المشروع للوهلة الأولى من عدم وجود أية مثالب تشريعية أو قانونية، إلا أنه بعد فحص نصوصه يتبين أن الهدف من هذا القانون أبعد بكثير مما يروج له من أن الهدف وراءه ملاحقة المجرمين ببعض الجرائم التقليدية التي أخذت شكلا متطورا، وحان الوقت لسد الثغرات فيها، وهو أمر لا يختلف عليه اثنان.

إذ إن الهدف من هذا القانون يمتد إلى ملاحقة المغردين والمدونين في شبكات التواصل الاجتماعي «تويتر» وعلى الإنترنت رغم تغطية قانون هيئة الاتصالات بمحاسبة من يتسبب في الاساءة على شبكات الاتصالات والإنترنت، وكان الأولى بأصحاب التشريع الجديد أن يتركوا هذا الدور لقانون هيئة الاتصالات وحده، بدلا من إصدار نصوص أخرى تدخل جهات التحقيق والمحاكم الجزائية من بعدها في ظلمات التناقض التشريعي لدى تطبيقها على معالجة الفعل الواحد!

وقبل تناول الملاحظات التي تشوب مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، تنبغي الإشارة إلى ملاحظة أراها مستحقة، وهي أن المشرع، متمثلا في الحكومة ومجلس الأمة، عندما أعد هذا المشروع لم يقم، على ما يبدو، بمراجعة التشريعات التي أصدرها أو التي هو بصدد إصدارها، وهو أمر يشير إلى عدم وجود ربط حقيقي بين السلطتين والأجهزة التابعة لهما، وهو الامر الذي يطرح تساؤلاً، فكيف لمجلس أصدر قانونين على سبيل المثال كقانون المعاملات الالكترونية وهيئة الاتصالات قبل عام أن يأتي ليصدر قانوناً كجرائم تقنية المعلومات، ويناقش في ذات الوقت قانون الاعلام الإلكتروني الذي تعده الحكومة وتناقشه.

سيل تشريعي

 وكان الأولى بالمشرع الكويتي ألا يأتي ويناقش فكرة إصدار تشريع إلا بعد التأكد من عدم تنظيمه بباقي التشريعات الأخرى، حتى لا يأتي بسيل تشريعي لمناقشة الحالة الواحدة أو أن يعالج المسألة الإلكترونية في أكثر من تشريع!

وعلي سبيل المثال، فقانون المعاملات الإلكترونية يتضمن جزءا كبيرا من التعاريف التي يوردها قانون جرائم تقنية المعلومات، ويعالج جزءا من المشاكل التي يتبنى معالجتها، بل على نحو تفصيلي، وهو الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن أسباب عدم قيام المشرع الكويتي بدمج القانونين معا، خصوصا إذا ما لاحظنا حجم التشابه والمعالجة الكبيرة في المسائل الواردة بقانون المعاملات الالكترونية التي ينظمها في المادة 1 الخاصة بالتعريفات والمواد 32 و35 و37 بفقراتها، وهي ذات الحالات التي يعالجها قانون جرائم تقنية المعلومات في المواد 1 و2 و3 و4 بفقرتها الأولى والثانية فقط والمادة 5.

أما المادتان 6 و7 الواردتان في مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات فمنظمتان حاليا بالفعل في المادة 70 من قانون هيئة الاتصالات، وللتأكد من أنه يشملهما التنظيم أيضا بالإمكان الرجوع إلى المادة الأولى الخاصة بالتعريفات الواردة بقانون هيئة الاتصالات، بينما باقي الفقرات والمواد الواردة بمشروع قانون جرائم تقنية المعلومات ما هي إلا تطوير للجرائم التقليدية كالمخدرات والدعارة وغسل الأموال والاتجار بالبشر، ولكنها تتضمن المعالجة التشريعية إذا ما وقعت على شبكة الإنترنت، وأرى أنه بالإمكان ضمها في باب منفرد إلى قانون المعاملات الإلكترونية الحالي رقم 20 لسنة 2014 دون الحاجة إلى إصدار قانون جديد تحت اسم تقنية المعلومات!

والحالة الثانية التي تثور هي ما تمت معالجته في قانون هيئة الاتصالات الذي قدمته الحكومة بمحاسبة المستخدمين لبرامج الاتصالات على شبكة الانترنت، سواء كانوا مستخدميها عبر المدونات أو المواقع أو حسابات التواصل الاجتماعي، إذ يأتي المشرع بقانون جرائم تقنية المعلومات ويريد معالجة ذات المسألة، ولكن بتطبيق العقوبات الواردة في قانون المطبوعات والنشر الكويتي، أي بتطبيق عقوبات الغرامات المرتفعة والحبس على المغردين والمدونين، رغم إيقاع الغرامات والحبس مدة لا تجاوز سنة بحسب الوارد في قانون هيئة الاتصالات وتحديدا في المادة 70 منه.

وبالتالي فمن المنطقي أن يتركوا لقانون هيئة الاتصالات التطبيق الوارد فيه على جرائم الرأي التي تقع على شبكة الانترنت طالما هو مطبق حاليا بقانون إساءة استعمال الهاتف رقم 9 لسنة 2001 إلى حين صدور اللائحة التنفيذية لقانون هيئة الاتصالات للبدء بتنفيذه، أو أن يحال النص الوارد في المادتين 6 و7 الواردتين في مشروع جرائم تقنية المعلومات لهذه الجرائم إلى ما هو مطبق بالاساس بالمادة 70 من قانون هيئة الاتصالات، بدلا من تكرار المعالجة لذات الأمر، وإدخال المحاكم وجهات التحقيق مستقبلاً في مشاكل قانونية يصعب الخروج منها!

 وبعد تناول تلك المسائل التي أراها مستحقة، أتناول في ما يلي بعض النصوص الواردة في مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، وذلك على النحو التالي:

أولاً - من حيث التعاريف الواردة:

فعلى الرغم من التشابه في الكثير من التعاريف الواردة في قانون المعاملات الالكترونية مع التعاريف الواردة في مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، وهو ما يتضح في المادة الأولى من كلا القانونين، فإن هناك مصطلحات واردة في مشروع قانون جرائم التقنية لا تتضمن تعريفاً لها، وهو ما يتضح تحديدا في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة، والتي تشير إلى عبارة «تنصت أو اعترض»، وكذلك الفقرة الأولى في المادة 10 بعدم تعريف «الشخص الإرهابي» أو من هو «الإرهابي»، وعدم وضع تعريف لما ورد في الفقرة الأولى بالمادة 11 «العصابة المنظمة».

تشابه المواد

ثانيا: تشابه المواد الثانية والثالثة والرابعة بفقرتيها الأولى والثانية والمادة الخامسة مع نصوص المواد رقم 32 و35 و37 من قانون المعاملات الالكترونية.

وبمراجعة المواد الواردة بمشروع قانون جرائم تقنية المعلومات يتضح أنها متكررة من حيث تنظيم الأفكار، بعضها ذات الأفكار تماما وبعضها لتنظيم مقارب جدا مع المواد الواردة في قانون المعاملات الإلكترونية رقم 20 لسنة 2014 والمطبق أساسا، وهذا التطابق في معالجة الحالات يتضح بعد قراءة المواد الواردة في قانون المعاملات الإلكترونية، والذي تنص مادته 32 مثلا على عدم جواز الاطلاع أو إفشاء أو نشر أي معلومات بيانات شخصية.

وتشير المادة 35 منها إلى عدم جواز استخدام البيانات أو المعلومات الشخصية وبأساليب غير مشروعة من قبل الجهات الخاصة أو العامة، وفي المادة 37 بفقراتها ما عدا «ب» تعاقب بالحبس مدة لا تجاوز 3 سنوات وبغرامة لا تجاوز 5 آلاف، وهي تجرم ما تجرمه نصوص مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، فالفقرة أ من المادة 37 من قانون المعاملات الإلكترونية تنص على معاقبة من «تعمد الدخول بغير وجه حق إلى نظام المعالجة الإلكترونية أو عطل الوصول إلى النظام أو تسبب في إتلافه أو حصل على أرقام أو بيانات ائتمانية أو غيرها من البطاقات الالكترونية لاستخدامها للحصول على أموال الغير».

وتعاقب الفقرة ج «من أتلف أو عيب توقيعا أو نظاما أو مستندا أو سجلا إلكترونيا أو زور شيئا من ذلك بطريق الاصطناع أو التعديل أو التحوير أو بأي طريقة أخرى»، والفقرة د تعاقب من «استعمل توقيعا أو نظاما أو أداة أو مستندا او سجلا الكترونيا معيبا أو مزورا مع علمه بذلك»، والفقرة هـ تعاقب «من توصل بأي وسيلة بغير حق على توقيع أو نظام أو مستند أو سجل إلكتروني أو اخترق هذا النظام أو اعترضه أو عطله عن أداء وظيفته».

ويلاحظ أن كل ما ورد في المادة 37 بفقراتها ما عدا الفقرة ب قد ورد بمشروع قانون جرائم تقنية المعلومات المقر بالمداولة الأولى، والذي يتعين إيقافه وتدارك نصوصه مع نصوص قانون المعلومات الإلكترونية والمواد الواردة بمشروع جرائم تقنية المعلومات المنظمة أساسا بقانون المعلومات الالكترونية، وهي المواد الثانية الخاصة بالدخول غير المشروع والافشاء والاتلاف، والمادة الثالثة التي تحظر الاطلاع والحصول على المعلومات، وما ورد في نهاية الفقرة الأولى من المادة الثالثة التي تحظر انتهاك سرية المعلومات المصرفية وكذلك في المادة الخامسة من مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات بشأن عدم الوصول الى بيانات البطاقات الائتمانية، والتي هي أساسا محظورة بالمادة 37 من قانون المعاملات الالكترونية، وما ورد بالفقرة الثانية من المادة الثالثة الخاصة بتزوير المعلومات، فقد نظمتها المادة 37 كذلك من قانون المعاملات الالكترونية، وما ورد بالفقرتين الأولى والثانية من المادة الرابعة من مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات، والتي هي أساسا منظمة بالمادة 37 من قانون المعاملات الالكترونية.

حبس وغرامة

نظم قانون جرائم تقنية المعلومات إحالة الأشخاص المخالفين لقانون المعلومات إلى الافعال والمواد الواردة في قانون المطبوعات والنشر، والتي تكون عقوباتهم بالحبس وكذلك بالغرامات التي لا تقل عن 3 آلاف ولا تزيد على 10 آلاف.

ومثل هذا التنظيم الغريب من قبل مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات الذي كان بإمكانه ألا يعالج هذه المسألة لكونها معالجة بالاساس في قانون هيئة الاتصالات، وإذا ما خلا نص يطبق قانون الجزاء لكونه الشريعة العامة لاي حالات لا تطبق، خصوصا أن مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات أورد بمادته 16 أنه لا يخل تطبيق العقوبات المنصوص عليها بأي عقوبات أشد ينص عليها بقانون الجزاء.

وبالتالي كان يتعين أن يترك التنظيم لما هو منصوص إليه في المادة 70 من قانون هيئة الاتصالات، أو الإحالة إليها تحديدا بدلا من إقحام الغرامات المرتفعة جدا على المغردين أو المدونين والواردة بقانون المطبوعات والنشر، والتي لا تجد لها ربطا بالتطبيق، خصوصا أن لقانون المطبوعات والنشر خصوصية من حيث أن العقوبات المالية المرتفعة من الغرامات تقع على عاتق مؤسسات وشركات تملك تلك الصحف، وفي الوقت ذاته أحاطها المشرع بضمانة سقوط الدعاوى الجزائية بمضي ثلاثة أشهر بعكس مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات الذي يريد تطبيق تلك الغرامات المرتفعة على المغردين والمدونين بعقوبات الحد الأدنى منها 3 آلاف وتسقط كدعاوى جزائية بمضي سنة وليس ثلاثة اشهر.

كما أن منطق الأمور إذا ما أراد المشرع أن يحيل التطبيق من حيث الفعل والعقوبة إلى تشريع آخر فعليه أن يطبق كل الضمانات التي يضعها ذلك التشريع، كما أن حالة القياس تكون بين المراكز المتماثلة من حيث التنظيم فأين التماثل بين شخص يدير حسابا شخصيا في «تويتر» أو مدونة خاصة على شبكة الانترنت، وبين مؤسسة مالية تطلب المشرع بقانون المطبوعات أن يكون رأسمالها لا يقل عن 250 الف دينار، وأن تخضع لرقابة وزارات التجارة والاعلام والشؤون من حيث العمالة والالتزام بنسب العمالة الوطنية، والتدقيق المالي والمحاسبي.

بينما ينص المشرع وفق قانون هيئة الاتصالات الحالي رقم 37 لسنة 2014، وتحديدا في المادة 70 على تنظيم الأمر على نحو واضح وصريح، وبالتالي يتعين على القائمين في وزارة العدل أو النواب في مجلس الأمة تدارك هذا الأمر.

المحاكم الأجنبية

من الملاحظات التي تواجه مشروع قانون جرائم تقنية المعلومات هو ما نصت عليه المادة 11 «لا تقل عقوبة الحبس أو الغرامة التي يحكم بها عن نصف حدها الاقصى إذا اقترنت الجريمة باي من الظروف الآتية: رابعا: صدور أحكام سابقة من المحاكم الوطنية أو الأجنبية بإدانة الجاني في جرائم مماثلة».

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وهو أن القضاء الكويتي يرفض تنفيذ أحكام المحاكم الأجنبية إلا إذا وجدت اتفاقيات بين الدولتين لتنفيذها أو للتعاون القضائي فيها، فكيف يحتج إذا بتلك الأحكام الأجنبية طالما لا يقبل تنفيذها؟

وهناك سؤال آخر: إذا كانت الأحكام أجنبية صادرة من دولة معادية للكويت أو بالأساس تقطع الكويت العلاقات معها فهل سيحتج بالاحكام الصادرة منها وستعترف بها المحاكم؟ وبالتالي أرى أنه من المنطقي جدا أن تعاد الفقرة الرابعة من المادة بأن يقصر على الأحكام الوطنية فقط، أو أن يتم ربط الاحتجاج بالاحكام الأجنبية للدول التي تربطها اتفاقيات مع الكويت فقط بما يخرج باقي الدول الأجنبية الأخرى.