صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3905

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العرب الجُدد وثقافة الإرهاب والعنف

  • 23-10-2013

-1-

ظهر في الأدب، ما أُطلق عليه "أدب ما بعد الحرب العالمية"،

فجاءت الرواية الجديدة شكلاً ومضموناً، مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل الحرب العالمية الثانية، كما استُحدثت مدارس جديدة، في الشعر، والمسرح، والسينما، وكان التمرد، والعبث، وتحطيم القوالب الفنية، التي كانت موجودة قبل الحرب العالمية الثانية، إضافة لصرخات الحرية والديمقراطية، ومعاداة الدكتاتوريات، وفقدان الأمل، والثقة بالدولة، هي المحاور الرئيسة التي كان يدور حولها أدب، ومن ثم ثقافة، ما بعد الحرب العالمية الثانية.

-2-

وفي الموسيقى، كانت الثورة الفنية بارزة وواضحة، بعد الحرب العالمية الثانية على معظم القيم الفنية الموسيقية، التي سادت في القرن التاسع عشر، وفي النصف الأول من القرن العشرين. وظهرت موجات الموسيقى الشعبية المختلفة الألوان والأشكال، التي أصبحت من موضات الموسيقى العالمية، التي ما زالت تُردد إلى الآن، ويُستمتع بها حتى الآن، من قبل الأجيال السابقة، ومن قبل الجيل الجديد.

-3-

وبالنسبة إلى العالم العربي، كانت القضية الفلسطينية، أكثر تأثيراً على الثقافة العربية من الحرب العالمية الثانية، فقد شغلت هذه القضية حيزاً كبيراً من هموم الثقافة العربية فناً وأدباً، شعراً ونثراً.

بل إن القضية الفلسطينية، والتصدي لمأساتها، وأحزانها، وكوارثها، وتعقيداتها، أصبحت الجدار الهين والسهل الذي يعلق عليه المثقف العربي إنتاجه لكي يصل بأسرع وقت ممكن إلى النجومية المنشودة. وقد قلتُ ذات مرة، إن كثيراً من الشعر العربي المعاصر- على سبيل المثال- لو جُرد من جروح القضية الفلسطينية الغائرة لما بقي منه شيء، ولما أصبح له وزن يُذكر في الميزان الفني المحض.

-4-

وحين نشبت حرب الخليج الأولى (1980- 1988)، لم نجد في الثقافة العربية ما يعكس واقع هذه الحرب ومآسيها حتى في الثقافة العربية العراقية، التي كانت ألصق بهذه المأساة أكثر من أي ثقافة عربية. فلم تُخلِّف لنا هذه الحرب المدمرة غير مقالات الصحافيين والمعلقين وبيانات السياسيين "التافهة" التي لم تعش طويلاً، واندثرت آثارها مع انتهاء هذه الحرب. ولم نقرأ شعراً أو نثراً، يصوّر لنا المآسي التي خلفتها هذه الحرب، كما كان يصوّرها الإعلام، في ذلك الوقت.

كما لم نرَ آثاراً، في الثقافة العربية الكويتية لحرب الخليج الثانية 1991، فلا صدرت لنا رواية كويتية تصوّر لنا أيام الغزو العراقي للكويت والمآسي التي يتحدث عنها الإعلام العربي، حتى بعد مضي أكثر من عشرين سنة حتى الآن، على الغزو الغاشم للكويت.

كما لم نقرأ في الأدب السعودي والأدب العراقي ما يقدم لنا يوميات هذه الحرب، في قالب ثقافي رفيع، شعراً كان، أم نثراً.

وخلا الفن التشكيلي العربي كذلك، من أعمال فنية تعكس يوميات هذه الحرب ومآسيها.  وربما كان مرد ذلك إلى سرعة هذه الحرب، وضيق نطاقها، فهل بعد كل ذلك، كنا ننتظر، من الثقافة العربية أن تعكس لنا واقع حرب الخليج الثالثة 2003؟

فإذا تمَّ، فلماذا تمَّ ذلك؟

1- هل لأن حرب الخليج الثالثة 2003، تمَّت داخل أرض عربية، وكانت صراعاً بين الشرق والغرب، وليس كما تمَّ في حرب الخليج الأولى 1980-1988 التي كان فيها الصراع بين مسلمين ومسلمين، أو حرب الخليج الثانية 1991، التي كان فيها الصراع بين عرب وعرب. وأن الصراع بين الشرق والغرب- خصوصاً- عندما يدخل المرحلة العسكرية يكون موضوعاً جذاباً، وفارضاً نفسه على التناول الثقافي.

ولعل الصراع بين الشرق والغرب على هذا النحو من العمق الحربي، وعلى هذا النحو من الاهتمام العالمي، وعلى هذا النحو من انغماس شوارع العالم فيه، وكأننا نشهد حرباً كونية، كان أبعد أثراً في الحرب الخليجية الثالثة من الحربين الخليجيتين السابقتين.

2- إن حرب الخليج الثالثة 2003، تمَّت بعد مقدمة ثقافية طويلة ومهيِأة لصراع الحضارات الذي أنكره الراحل إدوارد سعيد، واعتبره (صراع جهالات)، هذا الصراع الذي كان نغمه يتعالى، ويتسع بالطول والعرض، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وكانت حرب الخليج الثالثة لا تعكس خلافاً ونزاعاً عسكرياً حاداً بين أميركا وحلفائها من جانب والعراق من جانب آخر، بقدر ما كانت تعكس خلافاً ونزاعاً ثقافياً بين تيارات ثقافية دينية أصولية وقومية عربية، والثقافة الغربية، وعلى وجه التحديد الثقافة السياسية الأميركية التي انقلبت مئة وثمانين درجة بعد واقعة نيويورك 2001.

3- استطاعت حرب الخليج الثالثة 2003، أن تجعل المثقفين من منتجي الثقافة العربية الرفيعة، منهمكين، ومنغمسين، ومشاركين فيها، مشاركة فعلية قبل أن تبدأ. فنحن لم نشهد من قبل هذا العدد الكبير من النداءات، والبيانات، والمواقف التضامنية، والمضادة، تصدر عن المثقفين العرب بالمئات من اليمين واليسار، كما صدرت تجاه هذه الحرب.  كما لم يشعر المثقفون بالخطر الكوني، المحيط بالأمة العربية، كما شعروا به في تلك المرة، بحيث غدا الخطر الصهيوني إلى جانب هذا الخطر ضئيلاً ومحصوراً وإقليمياً، والدليل على ذلك هذا الاهتمام والانغماس الكوني في هذه الحرب.

4- لم تشهد القضية الفلسطينية طوال نصف قرن من عمرها ما شهدته حرب الخليج الثالثة 2003 خلال أسبوع واحد فقط من انهماك، وانغماس كوني. وهذا قد أنتج ثقافة معينة لها طابعها الخاص، وطعمها المتفرد على نحو ما.

* كاتب أردني