صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية

  • 05-07-2014 | 00:01

كتاب الدكتورة بثينة بن حسين يتناول ما أسمي بالفتنة الثّانية أو بالأحرى الفترة الأولى منها، من تولّي يزيد بن معاوية الخلافة في سنة 61هـ إلى زمن وفاته في 64هـ. في هذه الفترة القصيرة ابتدأت الفتنة، لكنّ في واقع الأمر استعرت نارها بعد موت يزيد على حدود سنة 78هـ واتّخذت أشكالاً متنوّعة، ولم يكن من الممكن أن تُدرس كاملة من بدايتها إلى نهايتها في كتاب واحد مهما كان حجمه، فوجّهت الدّكتورة بثينة طاقتها إلى فترة انطلاقها وعلى وجه من وجوهها، هذا الوجه هو مشكلة شرعيّة خلافة يزيد التي أورثه إياها في آخر حياته أبوه معاوية، وهذا تغير جذريّ في مسار الخلافة الإسلاميّة، فقامت ثورة الحسين بن عليّ ومن بعده ثورة عبداللّه بن الزّبير، ممتنعين عن مبايعة الخليفة الجديد، وفي وسط كل ذلك ثورة الحرّة في المدينة. كلّ هذا، وطوال هذه الفترة، حلّلته الدكتورة بثينة، بكلّ تأنّ وفي تفاصيله اللاّمتناهية التي زخرت بها كتب التّاريخ القديمة من أمثال تاريخ الطّبري، وأنساب الأشراف للبلاذري، وغيرهما من الكتب والمصادر.

إنّا نجد في مصادر بثينة معرفة دقيقة بكلّ المصادر وكذلك بما كتب حديثا من المراجع وتفسير الأسباب والمسبّبات ونظرة فسيحة إلى الأمور، وبالتّالي يدخل هذا الكتاب في زمرة من الكتب ظهرت منذ خمسين عاما وبرهنت على أنّ المسلمين ولجوا باب العلم الحديث في استقراء تاريخ الإسلام، ومنذ ثلاثين سنة برهنت المدرسة التّونسيّة على طول باعها في هذا الميدان بعد العمل الذي قام به المؤرّخون العراقيّون منذ الخمسينيات إلى حدود الثّمانينيات.

ليس هذا أوّل عمل قامت به الدّكتورة بثينة، فقد درست بكلّ جديّة وعمق مؤسّسات الدولة الأموية في المركز وفي كلّ أقطاب بلاد الإسلام، وهذا بتمام الدقّة وطول النّفس. ثمّ قامت بكتابة مقالات مختصّة متعدّدة، وأخيرا يأتي هذا الكتاب الجديد.

إنّ ما قامت به المدرسة التّونسيّة في مقام الدراسات التاريخية مفخرة لكلّ الوطن العربيّ وللعالم الإسلاميّ عامّة، لكنّ هذا المجهود لم يُعرف بما فيه الكفاية، ذلك أنّ علم التّاريخ في خصوص المجال الإسلاميّ كان إلى زمن قريب حكرا على المستشرقين، لسبب بسيط وهو أنّ العلم بصفته الأعمّ فتح من فتوحات العالم الغربي ابتداء من القرن السابع عشر، العلم بمعنييه: استكشاف الطبيعة واستكشاف التّاريخ الإنساني وقد برز الألمان في هذا الميدان. هؤلاء كتبوا في تاريخ الإسلام بكلّ جديّة وعمق، والعلماء الكبار منهم كتبوا بكلّ نزاهة.

هنا في هذه الرّقعة الصغيرة من الأرض التي أنجبت ابن خلدون برز علم التاريخ بصبغته الحديثة بقوّة بعد الاستقلال في أوجهه المتعدّدة، وتاريخ الإسلام بصفة خاصّة.

ولنذكر هنا أسماء متكاثرة من أجيال عدّة من الطالبي إلى عبد الحميد الفهري والرّاضي دغفوس ومحمد حسن وحياة قطاط وحياة عمامو ولطيفة البكّاي وسلوى بالحاج صالح وبثينة بن حسين وغيرهم ممن لم أذكر وقد كان لي الشّرف أن كوّنت البعض منهم أو ساهمت في تكوينهم.

إنّ العالم العربي الآن منغمس في متاهاته ولا يعير اهتماما إلاّ إلى واقع مشاكله، وهو مازال بعيدا عن البحث العلمي بجميع روافده، ومازال مصابا بمركّب النقص أمام الغرب وإنتاجاته، لكنّ النموّ الديموغرافي وتعميم التعليم ورسوخ روح البحث والمعرفة، لا بدّ، ولكلّ هذا، سيأتي يوما ما ـ يقرب أم يبعد ـ يتمّ فيه الاعتراف بإسهامات علماء القرن العشرين والواحد والعشرين وما قاموا به من تغيير جذريّ في تحليل الماضي، وفي آخر المطاف في استنطاق روح حضارة هي حضارتنا، لكن أيضا هي من كبرى الثّقافات الإنسانيّة، إلى جانب الصين والهند وأوروبا. وهذا الكتاب من الإسهامات الرّصينة في هذا الميدان، فليفتحه القارئ، وليتشبّع بما أتى فيه.

هشام جعيط

 

المقدمة

موضوع الفتنة هو موضوع قديم جديد لأنّه مثّل ظاهرة تاريخيّة ترجع للقرن الأوّل للهجرة. لكنّه موضوع معاصر لأنّه يشغل بال كلّ العرب والمسلمين. فالفتنة جزء من هويّتنا الثقافيّة وما التعدّد المذهبي الذي نعيشه (الانقسام إلى شيعة وسنّة) إلاّ نتاج للفتنة!

إنّ هذا الموضوع مسّ الأمّة الإسلاميّة منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفّان سنة 35هـ/ 656م. لقد أحدث مقتل عثمان انشقاقا في الضّمير الإسلامي وجرحا لم يندمل إلى الآن.

ابتدأت الفتنة الأولى منذ فترة الخليفة عثمان وتواصلت بعد مقتله. فقد رفض الصّحابة كالزّبير بن العوّام وطلحة بن عبيد اللّه وعائشة زوجة الرّسول البيعة لعليّ بن أبي طالب لأنّه حسب رأيهم آوى قتلة عثمان .

على هذا الأساس، اندلعت حرب بين الشقّين وهي واقعة الجمل 10 جمادى الثانية 36هـ/ 4 ديسمبر 656م التي انتهت بانتصار الخليفة عليّ بن أبي طالب ومقتل طلحة بن عبيد اللّه والزّبير بن العوّام وترحيل عائشة للحجاز. وطالب معاوية بن أبي سفيان ـ والي الشام من قبل الخليفة عمر بن الخطّاب والخليفة عثمان بن عفّان ـ بالقصاص لوليّه عثمان.فاندلعت بينهما حرب صفّين 36هـ/ صيف 657م التي أدّت لانقسام جيش علي. وأدّى مقتل عليّ لتولّي ابنه الحسن السّلطة لكنّه لم يكن قادرا على السّيطرة على الأوضاع.

لماذا ندرس الفتنة الثّانية أو فترة الخليفة يزيد بن معاوية 60 ـ 64هـ/680 ـ 684م؟.

لقد درس الأستاذ هشام جعيط الفتنة الأولى ، فكانت دراسته أوّل دراسة تاريخيّة معمّقة لهذه الفترة. وقد كنت ضمن طلبته عندما درّسنا هذا الموضوع الشيّق. إنّ كلّ ما يمتّ بصلة لفترة الفتنة الثّانية لم يقع دراسته من طرف المؤرّخين العرب أو المستشرقين. فأهمّ دراسة تعرّضت لهذه الفترة هي دراسة المستشرق الألماني فلهاوزن في مطلع القرن العشرين . عنون فلهاوزن الفصل المخصّص لفترة الخليفة معاوية بن أبي سفيان {السفيانيّون والحرب الأهليّة الثانية}. ورغم اقتضاب هذا الفصل فإنّ المؤرخ حلّل بعمق هذه الفترة. كما درس هنري لامنس فترة الخليفة يزيد بن معاوية في كتاب شيّق  لأنّ هذا الكاتب يكنّ إعجابا كبيرا بالأموييّن. و تناول بالدّرس الخليفة معاوية بن أبي سفيان و كبار رجال دولته كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة الثّقفي وزياد بن أبي سفيان .

وبحث محمد عبد الحيّ شعبان في هذه الفترة في السبعينيات من القرن الماضي . وعنون فصله عن الفتنة الثانّية بـ {معاوية والحرب الأهليّة الثّانية}. لكنّه غيّب ذكر الخليفة يزيد بن معاوية وعتّم عليه، حيث مرّ من خلافة معاوية إلى خلافة مروان بن الحكم فلماذا هذا التّجاهل والتّعتيم لفترة الخليفة يزيد بن معاوية؟

فرغم أهميّة كلّ من المرجعين فإنّهما لم يدقّقا دراسة الفترة فبقيت غامضة وضبابيّة رغم أهميّتها.

فقد رفض أبناء الصّحابة كالحسين بن علي وعبد اللّه بن الزبير البيعة ليزيد على أساس أنّه لا تتوفّر فيه صفات الخلافة. وبدأ الحسين بن عليّ حركته السياسيّة الدينيّة أي المطالبة بالحكم بالتحاقه بالعراق وبالتّحديد بالكوفة بعد أن ناداه أهلها. وقتل الأمويّون الحسين وآله بكربلاء بعد أن تخاذل عنه أهل الكوفة. كما رفض أهل المدينة سلطة الخليفة يزيد فتراجعوا عن بيعتهم له بعد أن أعطوها للخليفة. فأرسل إليهم يزيد جيشًا شاميّا فقتّلهم في واقعة الحرّة. كما أعلن عبد اللّه بن الزّبير، العائذ بالحرم، بعد مقتل الحسين بن عليّ رفضه مبايعة يزيد لعدم اكتسابه لشرعيّة تاريخيّة. ولجأ يزيد لنفس الأسلوب وهو الأسلوب العسكري بواسطة جيش الشام الذي حاصر الحرم المكّي وضرب الكعبة بالمنجنيق.

«تعدّى» الأمويّون حسب أبناء الصّحابة على ثلاث {حُرمات} في عهد الخليفة يزيد بن معاوية: حرمة الحسين بن عليّ {حفيد الرسول} لأنّه طالب بالسّلطة، وحرمة المدينة مدينة الرّسول (واقعة الحرّة) لرفضهم البيعة والطاعة، وحرمة البيت الحرام لإجبار ابن الزّبير العائذ بالحرم على البيعة ليزيد. كما غُيّب الخليفة الذي أمر بكلّ هذه الأفعال وهو الخليفة يزيد بن معاوية. وتعتبر مصادرنا  كلّها مصادر كُتبت في الفترة العبّاسيّة. فإلى أيّ مدى كانت هذه المصادر قريبة من الحقيقة التّاريخيّة؟

يعتبر الطّبري مصدراً أساسيّاً لدراسة هذه الفترة لأنّه قدّم الأخبار في شكل حوليّات، فنقل الأحداث بدقّة كبيرة. كما أنّ البلاذري أرّخ للأشراف كيزيد بن معاوية والأحداث المتعلّقة بفترة حكمه (ثورة الحسين بن عليّ، وثورة عبد اللّه بن الزّبير، وثورة أهل المدينة وواقعة الحرّة).

لقد بدأت دراستنا للنّصوص منذ سنة 1989، تاريخ بدايتنا لأوّل بحث عن الدّولة الأمويّة. وقد استهوتنا هذه الفترة وتعلّقنا بكلّ شخصيّاتها. ووجدنا أنّه لم يقع دراسة هذه الفترة أي الفترة الأمويّة وبالتّحديد فترة الخليفة يزيد بن معاوية بما فيه الكفاية. فقد كان همّنا الأساسي في كتابنا  الأوّل دراسة الدّولة الأمويّة بينما تطرح علينا دراسة الفتنة التطرّق إلى آليّات هذه الحركة أو الحركات وعلاقة الحركات المنبثقة من الفتنة بالدّولة الأمويّة أو الخليفة يزيد بن معاوية وآليّات السّلطة أو الدّولة في التّعامل مع هذه الحركات. فمنطق السّلطة يفرض على الخليفة يزيد بن معاوية تركيز إيديولوجيا الدولة كفرض الطّاعة والمحافظة على وحدة الجماعة أو الأمّة من الانشقاق. بينما رأى الحسين بن عليّ أو عبد اللّه بن الزّبير أنّهما يكتسبان شرعيّة تاريخيّة ودينيّة تجعلاهما أحقّ بالخلافة من يزيد. فالحسين هو حفيد الرّسول وابن عليّ ـ ابن عمّ الرّسول وختنه والصّحابي ـ بينما لم تتوفّر في يزيد كلّ هذه الصّفات لكونه عهد له الخليفة معاوية في حياته. وقد اعتبروا أنّ هذا اختراق للتّقاليد الإسلاميّة.

ساعدتنا دراستنا للدولة الأمويّة كمؤسّسات ومقوّمات إيديولوجيّة واجتماعيّة في هذه الدّراسة للفتنة الثّانية من تخطّي بعض الصّعوبات المتعلّقة بآليّات الدّولة وردود فعلها تجاه الحركات المناهضة لسلطتها وسلطانها.

ما هي الإشكاليّات التي تطرحها هذه الدّراسة؟ كيف تطوّرت هذه القوى المتصارعة والمتنافسة على السلطة؟ ما هي طبيعة هذه القوى السياسيّة أو السياسيّة الدّينيّة؟ وما هي مطالبها؟ وما هي إنجازاتها؟ وما هي علاقاتها ببعضها البعض؟ وهل نجحت هذه القوى المتصارعة في إقامة دول؟ وما هي الشرعيّات الدينيّة أو السياسيّة والمطالب والبرامج السياسيّة أو الدينيّة لهذه الحركات؟ لماذا كانت هذه الحركات عنيفة في التّصفية الجسديّة لبعضها البعض؟ وما هي مدى مصداقيّة المصادر في حديثها عن هذه الحركات؟

كلّ هذه الإشكاليّات سنحاول الإجابة عنها في هذا الكتاب.

دراسة الفتنة الثّانية أساسيّ لنحسّن فهمنا لهذه الفترة. فكيف يمكن للمؤرّخ فينا أن يقوم بعمله بكلّ موضوعيّة علميّة دون تحمّس أو تعصّب أو انغلاق؟ نحن أيضًا نبحث في جوّ مفعم بالرّمزيّة التي طبعت المخيال العربي الإسلامي لقرون ومازالت تغذّيه. فكيف يمكن تفكيك تلك الرمزيّة واستنطاقها لتُدْلي لنا بما وراءها وما يحرّكها؟ ففهم هذه الرمزيّة يمكّننا من فهم ذاتنا وهويّتنا.

جزء من مقدمة كتاب بثينة بن حسين «الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية»