صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3906

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أجيبلكم منين؟

  • 11-03-2014

ما إن انتهيت من مشاهدة كلمة سيادة المشير لأبنائه من الشباب حتى قفزت من مقعدي وعزمت النية على أن أذهب إلى أقرب تجمع للأطباء لأثنيهم عن عزمهم على القيام بالإضراب الجزئي. لقد نجح سيادة المشير في أن يغير فكرتي تماماً عن مصر وعن أبنائها الجاحدين الذين ينتظرون أن يأخذوا فقط بدون أن يعطوا أي شيء لأمهم الحبيبة.

سيادة المشير يقول لنا بصوته المملوء بحنية وعطف لا يخطئها إلا خائن أو عميل: "أنت محتاج تدي أكتر ما بتاخد" وقال إن هذا ما يقوله لضباطه حتى يحثهم على العمل تجاه الشعب، ثم يضرب مثلاً رائعاً بأبوين فقيرين يتخرج ابنهما فيرد لهما الجميل، ويتمنى أن يعم هذا السلوك بين الجميع.

الحقيقة أن هذا مثال رائع أستطيع أن أقنع به هؤلاء الأطباء الجاحدين الذين يسألون فقط "حناخد إيه من مصر" ولا أحد منهم يقرر بينه وبين نفسه "حدي إيه لمصر".

أصل الطبيب الجاحد من دول ذاكر ودحّ ثم ذهب ليقضي تكليفه في مناطق نائية ثم تم تعيينه كنائب بوزارة الصحة، حيث يقضي ساعات غير آدمية في المستشفى، ثم يضطر أن يجري وراء المستوصفات ومستشفيات بير السلم ليجد ما يكفي لدفع فاتورة تليفونه، ثم تنعم عليه الدولة بمرتبات طائلة كما تعرفون، فسحقاً لهؤلاء الأطباء الذين يجرؤون أن يطلبوا أي شيء من مصر.

أتذكر من سنة ونص كده كيف قام أطباء "الإخوان" باحتلال الجمعية العمومية للأطباء لإفشال المطالبة بالإضراب، يومها قام الرجال والنساء بحجز المقاعد وأقاموا صلاة الجمعة على الكراسي بلا قبلة صحيحة وبلا سواتر بين الجنسين ليضمنوا التصويت ضد الإضراب، ساعتها قال "الإخوان": "يجب أن يتحمل الأطباء من أجل مصر"، وخرجت الفتاوى التي تحرم الإضراب، ده أيام ما كان النظام على قلب "الإخوان" زي العسل.

تذكر هذا المشهد اليوم لأنه في الأيام القليلة المقبلة سيتم اتهام نفس الأطباء الذين وقفوا ضد "الإخوان" بأنهم "إخوان" وإرهابيون.

منذ ثلاث سنوات نظم "الإخوان" حملة "شغلني مكانه" ليساندوا المجلس العسكري ضد الإضرابات وثورة العمال... تذكر ذلك أيضاً، فحين تندلع الإضرابات في البلاد سيقول لك الإعلام إن هؤلاء "إخوان" أيضاً.

تراجعت عن الذهاب إلى مقر الإضراب، فيبدو أن حجة "إديتوا إيه لمصر" لن تنفع مع هؤلاء الجاحدين، رجعت لأكمل كلمة المشير الحانية التي سأل فيها الشباب: "قبل ما تفطر انت سألت نفسك، عملت إيه للبلد دي؟".

طب والله سؤال مفحم، ويمكن أن أذهب به إلى إضرابات العمال في المصانع والسائقين في هيئة النقل العام، فأكيد أكيد سأجدهم فطرانين وشبعانين، وأن كل ما يحدث هو عبارة عن "دلع مرئ" يريدون به أن يأخذوا من مصر بدون أن يعطوا أي شيء.

المشير صاحب مقولة "أد الدنيا" يخرج على الشباب بنفس الحنية، فيقول لهم إن الشباب لابد أن يفكر في مصر قبل أن يفكر في "حتجوز إمتى وحعيش إمتى".

وكأن مصر كائن خرافي افتراضي لا يستطيع العيش إلا على أنقاض شباب لا يملك قوته ولا يفكر في الزواج ولا يجرؤ حتى على تناول طعام الإفطار قبل التفكير في كيفية تقديم نفسه قرباناً لهذا الكائن الخرافي.

أنا أفهم جيداً خطاب المشير الذي يشجع الشباب ألا يكونوا أنانيين وأن يعلوا قيمة الإيثار وأن يفكروا في أن ما يفعلونه ينعكس على البلد، كل ذلك جميل جداً، ولكنني أتساءل: إلى من يوجه المشير كلامه؟ هل يوجه المشير كلامه إلى شباب لا يستطيع الزواج أم يوجهه للعمال المطحونين والعواطلية الذين لا يملكون ترف تناول طعام الإفطار قبل التفكير في مصر؟

يتساءل المشير: "هل فكر واحد منا أن يذهب مشياً إلى جامعته أو شغله حتى يوفر على البلد؟".

والحقيقة أن هذا حل عبقري لخفض نسبة التلوث المرعبة في القاهرة، ولكن عملياً، هل يعرف المشير أن هناك من يسكن في البدرشين وقليوب وبشتيل ويعمل أو يدرس في وسط القاهرة؟ هل إذا استجاب الشعب لهذا المنطق النبيل سيقوم بذلك الوزراء وضباط الجيش واللواءات، فنستغني كلنا عن السيارات والمواصلات العامة؟ أم أننا سنعتمد على الفقراء ليقوموا بممارسة الرياضة اليومية بالنيابة عنا بعد أن يتنازلوا عن إفطارهم لأنهم "حاسين" بعقدة ذنب لأنهم لم يفعلوا شيئاً لمصر؟

حديث التقشف ليس جديداً علينا، قبله كان مبارك "يسم بدنّا" بمقولاته الشهيرة مثل: "أجيبلكم منين؟" ليأتي المشير السيسي ليقول لنا: "تأمين صحي؟ طب منين؟"، "شغل؟ طب إزاي"، لذلك فيجب فعلاً أن نظلم جيلاً أو جيلين (على حد قوله) حتى يستمر الآخرون، ولكننا لا نعرف من هم الآخرون؟ هل هم ما تبقى من الشعب بعد ظلم 30 سنة جايين؟ (جيلين يعني) أم من سيستمر هم من حول السلطة الذين يخربون ميزانية الدولة من مرتبات وعمولات وبدلات ضخمة ثم نيجي على العامل والطبيب ونقول له "مفيش؟".

هل البرنامج الاقتصادي للفريق السيسي يتمحور حول "استحملوا؟" "شدوا الحزام؟" "تقشفوا؟"

لو كان هذا هو برنامجه فيجب أن يتوجه به إلى المؤسسات الحكومية لا إلى الشباب أو المواطنين الذين إذا تقشفوا هم أيضاً، فبذلك أنت تقضي على القوة الشرائية في البلد وتقودها إلى الكساد.

ففي سنوات الكساد العظيم أيام الثلاثينيات بدلاً من أن تشد أميركا الحزام وتطالب مواطنيها بأن يجوعوا أكثر مما هم "جعانين"، قام روكفلر وآباء الصناعة الأميركية بضخ أموال ضخمة مستغلين تسهيلات الدولة للقيام بأكبر حركة إعمار في أميركا الشمالية.

فالكساد والتضخم لا يتم علاجهما بمزيد من ربط الحزام، ولكن يعالجان بتشجيع المواطنين والمستثمرين بتدوير أموالهم في السوق، أما التقشف فيتم تطبيقه على الإنفاق الحكومي الذي يتجاوز بمراحل قرار منع المياه المعدنية في مجلس الوزراء.

قبل أن يتوجه إلينا المشير السيسي بقوله لنا: "إديتم إيه لمصر" ربما كان من الأفضل أن يطرح هذا السؤال على المؤسسات الاقتصادية للجيش التي تسيطر على نسبة ضخمة من اقتصاد البلد بدون مساءلة حقيقية وبدون تعاملات ضريبية تأخذ بها مصر حقها من هؤلاء الذين أخذوا ما يريدون فعلاً.

التقشف "وخلاص" ليس حلاً، وسياسة "شد الحزام" لا تبني اقتصاد أمم، بل يبنيها مناخ صحي للاستثمار وخلق الوظائف وضرائب عادلة على الكل (أكرر على الكل) وبيئة مناسبة لجذب رؤوس الأموال تتضمن المكاشفة والشفافية، حتى لمؤسسات الجيش الاقتصادية، أما مسميات مثل "خفض الإنفاق" و"التوفير" فهي تسري فقط على مؤسسات المال العام، وإذا أردت أن تلغي الدعم فامنعه عن القادرين والأغنياء والمصانع التي تحاسَب على الكهرباء مثل حساب الفقير، نحن نحتاج إلى كل ذلك قبل أن نفكر في مطالبة العاملين بالخارج بمرتب شهر، أو نسعى لفرض جباية عليهم، سواء بالعافية عن طريق ضريبة، أو بالكلام الحنين.

فأبناء مصر في الخارج سيدي المشير حاولوا باستماتة قبل ذلك أن يضيفوا إلى البلد من مشروعات تعليمية وتنموية، والكثير منهم رجع لبلاد برة بسبب الفساد مرة وبسبب البيروقراطية مرة أخرى وبسبب التعنت السياسي مرات، فالإعلام سيدي المشير جعل كل من يحمل جنسية أخرى أو حتى عاش خارج مصر خائناً وعميلاً حتى يثبت العكس.

الغريب أن الإعلام الذي صفق لعبارة "أد الدنيا" يتمايل رأسه بإعجاب وهو يستمع إلى دعاوى شد الحزام و"نستحمل" وظروف مصر الصعبة، فنفس هذا الإعلام كان يسخر من مرسي وهشام قنديل ورفاقهما حين تكلموا عن الملبوسات القطنية وغلق المحلات بالليل، أما الآن فالإعلام نفسه هو من يطالب الشعب بأن يستيقظ خمسة الصبح ليتوجه إلى الشغل ولكن فاتهم مقولة المشير السيسي "الناس عايزة شغل، طب منين؟".

الشعب ليس عالة على الوطن، بل هو طاقة بشرية يجب استثمارها.

مصر يا سادة ليست كياناً منفصلاً عنا يحتاج أن يقتات علينا فنموت حتى يحيا هذا الكيان، مصر هي الشباب اللي عايز يتجوز ويعيش، والعامل اللي عايز "مرتب آدمي" والطبيب اللي عايز عيشة كريمة ليخدم مرضى مصر الذين يستحقون رعاية صحية محترمة.

مصر هي "إحنا"، مصر ليست مؤسسات الدولة التي يتم حمايتها من المكاشفة والمحاسبة والتدقيق الضريبي تحت دعوى السرية والأمن القومي، في حين يتقشف البسطاء فيمشون إلى الجامعة والعمل (إن وجد) ولا يفكرون متى سيتزوجون وكيف سيعيشون.

هل هذا هو البرنامج الاقتصادي الذي ينتظر البلد؟ المزيد من "اصبروا"، "أجيبلكم منين؟"، "ما هو أصل أنتم كتير وعمالين تزيدوا"...

ربما ينجح، مين عارف، فلنسأل المواطن عن آثار هذا البرنامج بعد كام سنة، وأنا متأكد أنه سيجيب بسعادة بالغة وهو يفكر في البلد قبل تناول طعام إفطاره غير الموجود، وسيبتسم لك في رضا وهو يشد الحزام على ما تبقى من هيكله العظمي.

ينشر باتفاق خاص مع «الشروق» المصرية