صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الجاهلية الشيك

  • 18-02-2014

مارس ٢٠١١ مرور شهرين على انتهاء الثورة.

مؤتمر شعبي حاشد للإخوان المسلمين من سلسلة "اسمع منا كما تسمع عنا".

واحد من المتحدثين على المنصة هو صفوت حجازي.

كان الموضوع هو (ما هي مواصفات رئيس مصر القادم؟).

وكان رأي الدكتور صفوت حجازي أننا يجب ألا نختار "رئيس متعلم زيادة عن اللزوم يعني نخبوي بقى ومتعلم بره وعارف لغات"، كل هذه صفات غير محمودة، لأنه بذلك سيتعالى على الشعب، "نحن نريد رئيساً نعرف نتعامل ونتكلم معاه".

لم أصدم بهذه التصريحات، فقبلها بثلاث سنوات رأيت حملة تشنها قناة "فوكس نيوز" على مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما، تصفه بأنه "نخبوي"، وتؤكد حاجة الشعب الأميركي إلى رئيس "تستطيع أن تحتسي معه كأساً من الجعة (البيرة)".

لكن في النهاية قلت لنفسي إنها تيارات يمينية في بعضها، تكره من تراه متعلماً زيادة عن اللزوم حتى لا ينكشف جهلها.

ومرت الأيام واكتشفت أن الكراهية العمياء لأي شخص متعلم لديه مؤهلات مختلفة ويفكر بطريقة مختلفة جزء أصيل من تفكير الكثير من الناس، ليس فقط ممن ينتمون إلى التيارات الإسلامية، ولكن أيضاً وسط كثير من الأوساط المتعلمة المستريحة التي ترسل أبناءها للتعلم والفسحة في الخارج.

البرادعي عميل لأنه عاش وتعلّم في الخارج.

معروفة مش عايزة كلام دي.

إذا حصل على جائزة نوبل فهذه مكافأة القوى الدولية له على تخريب مصر.

متوقعة طبعاً.

وإذا تم الاحتفاء به في المحافل الدولية فهو يقبض الثمن عياناً بياناً على وظيفته كبارت تايم خائن.

واضحة زي الشمس طبعاً.

أيضاً تجد الصفحات الإسلامية والصفحات الأمنية يتطابق أسلوبها  في نشر نفس الصور الشخصية والعائلية له ولأسرته ولابنته، وتذيل الصفحات الأمنية هجومها بخوفها على الوطن، وتنهي الصفحات الإسلامية ما تكتبه بآيات قرآنية، آه والله زي ما بقولك كده.

من المثير للاهتمام أيضاً أن الصور الشخصية التي كان يستخدمها نظام مبارك ضد المعارضين هي نفس الصور التي استخدمها بعدهم أنصار المجلس العسكري، ومن بعدهم أنصار التيار الإسلامي، ومن بعدهم من عزلوهم من الحكم، وتجد في تعليقات محبي مبارك والجيش والشريعة والجهاد تطابقاً مذهلاً.

اختلفت الأيديولوجيات و"الدناوة" واحدة.

نفس الموضوع حدث مع وائل غنيم، العميل الجاسوس الخائن، معروفة طبعاً، ففي الوقت الذي نحاول فيه كدولة عمل أي إنجاز في أي مجال في ظل تدهور الحالة التعليمية والاقتصادية، يأتي شاب مصري نابغة ليشغل منصباً محترماً في أكبر شركات العالم، وهي شركة غوغل، لا إزاي كده؟ يبقى عميل وخائن وعايز قطع رقبته.

متى أصبح النجاح تهمة والتميز سبباً لأن تخجل من نفسك؟

لا مانع على الإطلاق من الهجوم على البرادعي ووائل وغيرهما من ناحية آرائهم السياسية وكيفية إدارتهم للصراع السياسي، فالكمال لله وحده، ولا أحد يملك الحق المطلق، لكن أن يتحول الهجوم من مجرد اختلاف سياسي إلى طريقة خبيثة لتشويه أي إنجاز علمي أو مهني عالمي وتحويله إلى سبة، فهذه هي المشكلة.

ألم نسخر من السلفيين وهم يتهمون نجيب محفوظ بأنه حصل على "نوبل"، لأنه كتب أولاد حارتنا فجاءت مكافأة له لأنه يهدم ثوابت الدين؟

ألم نسخر من التيارات الإسلامية التي اتهمت زويل بأنه حصل على "نوبل" كثمن لتعاونه مع إسرائيل؟

نسخر من هذه الادعاءات وتكون "نوبل" زي الفل مع من لا يشكلون تهديداً لاتجاهاتنا السياسية، ولكن نفس "نوبل" ونفس التقدير العالمي يصبح سبّة وفضيحة، لأننا نختلف معهم بل ونتحد مع من نسميهم إرهابيين على كرههم.

تكريمك في بلاد بره ثمن لخيانتك، إلا لو كان طبعاً ظهور المشير عبدالفتاح السيسي على مجلة التايم، فحين خرج الإعلاميون ليناشدوا الناس ليصوتوا على اسم الفريق عبدالفتاح السيسي كانت وسائل الإعلام الأميركية محايدة وزي الفل، ولكن حين لم يقع عليه الاختيار رجعت ريما لعادتها القديمة في بضع ساعات، واتهمتهم بأنهم أذرع الإعلام الصهيوني في العالم.

البرادعي خائن لأنه عمل في فيينا، وائل غنيم خائن لأنه نجح في أميركا، ولكن المشير عبدالفتاح السيسي ليس عليه غبار، لأنه تعلم في أكاديمية وست بوينت الأميركية، وهي أرقى الأكاديميات العسكرية في العالم.

إحدى الصحف في هجومها على كاتب هذه السطور وبعد الديباجة المحفوظة بأنني عميل وخائن وبتاع الـ"سي آي إيه"، قام الكاتب الكبير رئيس تحرير الجرنال "الأسبوعي" بإظهار دليل لا يشق له غبار على عمالتي وخيانتي، فقال: "باسم يوسف تخرج سنة ١٩٩٩ وحصل على الماجستير والدكتوراه وزمالة كلية الجراحين البريطانية، وحصل على المعادلة الأميركية، كل ذلك في سبع سنوات فقط، كيف فعل ذلك إن لم يكن مسنوداً من القوى الخارجية؟".

يا لهوي، يعني كونك أنك تبقى دحيح بقى كمان تهمة؟ هل أصبح الفشل والخيابة وفقر الإنجاز الشيء الوحيد المقبول في هذا البلد؟

في كمبوديا كانت هناك جماعة سيطرت على الحكم اسمها الخمير الحمر، على رأسها كان السفاح "بول بوت"، الذي حكم كمبوديا بالحديد والنار، كل ذلك متوقع، ولكن أطرف ما حُكي عن "بول بوت" أنه كان يستهدف المتعلمين والمثقفين، كل من كان يعرف لغة أجنبية اعتبروه خائناً، بل وصل الأمر إلى الشك والقبض على من يرتدي نظارة طبية لأنه غالباً يحب القراءة.

كان "بول بوت" متعلماً ويعرف الإنكليزية والفرنسية، ولكن ذلك لم يشفع للآخرين، أنت متعلم إذن أنت خائن.

نحن الآن لا نعيش في مناخ المكارثية ولا حتى الفاشية، نحن نعيش في زمن سحيق، زمن حرق الساحرات، فإن شككت في إحداهن فالق بها في النهر، فإن طفت ونجت فهي ساحرة ويجب حرقها، وإن غرقت يبقى إحنا غلطانين وحقك علينا وربنا يتولاكي.

المبدع أو المفكر أو المثل أو الكاتب هو ماسوني عميل خائن لمجرد اختلافه عنك في طريقة تفكيره.

وتكون التهمة الجاهزة دائماً أنه يتبع الغرب وأسلوب الغرب، حتى إن كان ذلك صحيحاً، ماذا كان سيفعل وقد قتلتم وجففتم كل وسائل الإبداع بالداخل، فلم يبق إلا أن يطور نفسه بأفكار جديدة من الخارج.

التاريخ المظلم يعيد نفسه، فعلماء العرب والمسلمين برعوا في مختلف فروع العلوم والأدب، لأنهم بدأوا بالترجمة والاقتباس ثم أبدعوا هم، وتم اتهامهم بالكفر والزندقة وهم على قيد الحياة.

الآن هناك الخيانة والعمالة وهراء آخر من نوع الجيل الرابع للحروب والطابور الخامس لتدمير البلد.

مناخ الخوف والكراهية الذي أفرزه مناخ مبارك و"سلفنه" الإخوان، وعممته السلطة الحالية وإعلامها جعل من أفراد شعبنا كائنات تكره المنطق والعلم والتنوير لأن أكيد وراهم "إنة".

أنتم تخلقون شعباً مسعوراً غارقاً في الخرافات والخوف، أنتم تريدون غوغاء ليسهل التحكم فيهم ولتوجيههم ضد أي شخص يريد إحداث تغيير حقيقي، لأن نتيجة هذا التغيير هو تحرير وعي الناس من لعنة جاهليتكم، ساعتها لن يسمع لهرائكم ولن يقتنع بكلامكم.

أنتم تريدون شعباً من العصور الوسطى يتلون التعاويذ إذا رأى كسوف الشمس، ويقبع في المخابئ إذا رأى البرق، تريدون بلداً خارج التاريخ والتطور، تريدون شعباً عدواً للعلم والتنوير.

الغريب أن بعد كل ذلك التشويه يأتي من تعلم وسافر وشاهد واختبر الثقافات المتعددة ولبس ماركات "السينيه"، ثم "ينجعص" على مقعده الوثير ليتعالى على الشعب "الجاهل المتخلف" حسب قوله.

ولكن فات هذا "المنجعص" أن ينظر إلى المرآة ليعرف من هو "الجاهل والمتخلف".

من بره شياكة على الآخر، ومن جوه ثقب أسود جاهلي ليس له قرار.

(ينشر باتفاق خاص مع «الشروق» المصرية)