صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3905

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

جدلية المادة الثانية من الدستور الكويتي

  • 25-02-2012

عاودت الجماعات الإسلامية بعد نجاحها الملفت للنظر في انتخابات مجلس الأمة الحالي طرح تعديل المادة الثانية كضرورة وأولوية على رأس أولويات التيارات الإسلامية، كما عاودت التيارات الوطنية الليبرالية كردود أفعال متزامنة معها رفض أطروحات التوجهات الإسلامية، والتي ترى أن التعديل لا محالة سيؤدي إلى إنهاء الدولة المدنية التي حفظت إلى الآن لكل الكويتيين باختلاف طوائفهم ومللهم حق الوجود والعيش في وطن واحد. الكويت لاتزال تكرر أزماتها السياسية بين الفينة والأخرى، كما أنها لاتزال تستخدم نفس أساليب المواجهات وآليات الصراع؛ طرف يقدم مقترحاً وفكراً معيناً وطرف آخر يعارضه دون الوصول في نهاية الأمر إلى نتيجة مجتمعية تنتشل الكويت من أزماتها المتكررة. الكويت أحوج ما تكون إلى نهج خلاق عقلاني ذي أبعاد مبتكرة يساعدنا ويساعد التيارات السياسية المختلفة في التعامل مع بعضها. دعوني أقدم بعض المقترحات الفكرية والعملية علّها تساعد في توجيه مسار تعديل "المادة الثانية" إذا ارتأت أغلبية الشرائح المجتمعية في الكويت أهمية التعديل: أولاً: لا بد أن نتفق من حيث المبدأ أنه يحق لكل فئة اجتماعية من فئات الكويت أن تتقدم بمقترحاتها وآرائها في تنقيح دستور الكويت تماشياً مع ما جاءت به المادة (174) والتي تجيز اقتراح تعديل الدستور الكويتي ليتماشى مع متطلبات العصر وتغيراته، ويضع في الحسبان أن هذا التعديل الجديد سيؤدي إلى حياة أفضل لجميع الأطياف الكويتية ولا يحتوي في طياته على رِدَة أو جاهلية إنسانية. ثانياً: انتشال الكويت والكويتيين من مبدأ قدسية النصوص الدستورية التي لا تمس. الدساتير الإنسانية وضعت في زمن ومرحلة تاريخية لها خصائصها واعتباراتها ومتطلباتها الخاصة بها، لذا فإنه يتعين علينا أن نخرج كمجتمع وأمة من دائرة التقديس ومحيط الخوف الذي يتلبسنا لتعديل الدستور طمعاً في إثرائه وتطويره ليتماشى مع ضرورات العصر الحديث ومستقبل البلاد. الكويت في الوقت الحالي تعيش جموداً سياسياً واقتصادياً، فنحن أحوج ما نكون إلى انطلاقات جديدة تحرك الساكن وتثير محركات المجتمع وقواه المجتمعية. ثالثاً: تشجيع المحاورات والنقاشات الفكرية والمذهبية والسياسية بين جميع الأطياف والشرائح المجتمعية، فهي لا محالة ستكون نتاجات إيجابية، فاستمرارية المحاورات دون توقف مهما كانت الاختلافات ستقرب بين الخصوم، وستخلق الوعي المشترك الموجود والتسامح الإنساني والقبول الاجتماعي لثقافات الآخرين ضمن منظومة وطنية جامعة واحدة. فالكويت مجتمع ذو تلاوين وشرائح مختلفة منذ نشأته، وهو الآن يحتوي على ما لا يقل عن 130 جنسية وثقافات مختلفة، ولكل طائفة وفئة اجتماعية حق في العيش دون الإخلال بحقوقها ومتطلباتها، كويتية كانت أم غير كويتية. رابعاً: المادة الثانية التي نحن بصدد الحديث عنها هي مادة شاملة لكل تشريعات البلاد ولجميع نواحي الحياة الإنسانية في الكويت، فهي تغطي جميع جوانب الحياة، ومؤثرة في كل حركه سلوكية إنسانية. لذلك فإن لكل شرائح الكويت ومستوطنيها شأناً ومصلحة في التعرف على ما ستؤول إليه البلاد من متغيرات جديدة ستؤثر في مصالحهم وحياتهم الإنسانية اليومية. خامساً: يتوجب على عمليات تعديل "المادة الثانية" أن تمر في ساحات عديدة قبل إقرارها الإقرار النهائي. أولى هذه الساحات هي الساحة الفقهية التي من خلالها يبدأ علماء الدين وفقهاؤه بالتحقق من سلامة النصوص القانونية الإسلامية مع النصوص الفقهية التي جاء بها الإسلام دون الإخلال بالمذاهب الإسلامية المختلفة والتوفيق بينهم كلما أمكن ذلك إضافة إلى الأديان الأخرى. التمازج الفقهي والديني مهمة تتطلب الإبداع الإنساني الخلاق الذي يحفظ للآخرين وجودهم دون إلغاء أو إقصاء. الساحة الثانية التي يتوجب على المادة الثانية أن تمر فيها هي الساحة العلمية من أصحاب الاختصاص لمناقشة هذه التشريعات المقترحة؛ لقياس وتقييم الآثار الناجمة السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية على المجتمع بعد الاطمئنان على سلامة التشريعات الموضوعة، والأخذ برأي المختصين ودراساتهم العلمية المتأنية. بعدها تعرض على الساحة السياسية من مجتمع وبرلمان لتهيئة الأجواء المجتمعية لهذه التشريعات الجديدة مع كل ما تحمله من أدلة وقرائن وتطلعات ستحققها للكويت ولمستقبلها، وكم يكون من المستحسن أن تأتي التشريعات آخذه في الاعتبار تتابعية طرحها وتطبيقها في المجتمع الكويتي لإعطاء المشرع والمنفذ والمواطن المساحة والفرصة لبناء ما يسمى بالقبول الاجتماعي، فكلما تقبل العقل الإنساني مدلولات وقرائن القوانين الإسلامية ساعد ذلك في إحداث النقلة السلوكية الإنسانية وإلى تطبيق القواعد الإسلامية الجديدة دون عناء أو مشقة. في الخاتمة حض الإسلام في الممارسات والمعاملات الإنسانية على قاعدة فقهية جليلة ألا وهي: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح للعامة، فالمفسدة تسري سريان الوباء والحريق، فمن الحكمة والحزم القضاء عليها في مهدها قبل القيام بتطبيقها.