صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

قراءة الرمز الشعري في شعر المحاورة

  • 27-03-2009

... «أخصم الشعراء أكذبهم» هذه النظرة عن شعر المحاورة، بحسب الفهم القريب، لم تكن لتتغيّر لو لم تتغيَّر نظرة الشعراء لهذا الفنّ، وانّه فنٌّ قائمٌ على خاصيَّة «الفتل والنقض»، حيث يقوم الشاعر الأوَّل بوضع شفرة، تكون محور موضوع الحوار بينهما، فيتعمَّد التعمية على خصمه، وعلى الجمهور، وفق طريقة رمزيَّة.

قبل أن نبدأ في بيان معنى الرمز، وطريقة توظيفه، وكيفيّة هذا التوظيف في شعر المحاورة، يحسن بنا أن نشير أوَّلاً إلى أن السائد، في تصوُّر الجمهور بعامّة، عن شعر المحاورة، أنّه شعرٌ قبليّ، يعتمد على نصرة القبيلة، وبالتالي فإنَّ نبوغ أيّ شاعر، في قبيلةٍ ما، يعدّ خطّ دفاع، أو خطّ هجوم، لتلك القبيلة، وعلى هذا الأساس، فهم الناس أنّ شعر المحاورة: شعر مخاصمة ومحاججة وتفاخر بين القبائل، على ألسنة شعرائها، والحقّ أنّ هذا موجودٌ، ولا يمكن إنكاره، وربما كرَّس بعض الشعراء هذا التصوُّر من خلال بعض المحاورات الساخنة التي يتمّ فيها تداول الأبيات بطريقة مكشوفة، وبسطحيَّة أقرب إلى فهم الجمهور السطحيّ، ومن هنا جاء هذا التصوُّر، وسادت هذه النظرة عن شعر المحاورة، حتّى ان بعض العامّة يقولون، من ضمن قواعدهم عن شعر المحاورة «الشاعر الذي لا يظلم لا ينتصر» ومعنى هذا أنّه على الشاعر إذا ما أراد التفوُّق على خصمه أن يكرس كلّ ما يمكن أن ينصره، حتّى وإن كان ذلك ضربا من الادّعاء والكذب، فبدل أن يكون أعذب الشعر أكذبه، كما هو شائعٌ في مقولات النقاد عن الشعر، تصبح المقولة في شعر المحاورة، بحسب هذا التصوُّر، «أخصم الشعراء أكذبهم»، هذه النظرة عن شعر المحاورة، بحسب الفهم القريب، لم تكن لتتغيّر لو لم تتغيَّر نظرة الشعراء لهذا الفنّ، وأنّه فنٌّ قائمٌ على خاصيَّة «الفتل والنقض»، حيث يقوم الشاعر الأوَّل بوضع شفرة، تكون محور موضوع الحوار بينهما، فيتعمَّد التعمية على خصمه، وعلى الجمهور، وفق طريقة رمزيَّة، وهنا يجيء دور الشاعر الثاني، لتبدأ لعبة الرمز بينهما، فيأخذ الجمهور معاني متعدّدة، كلٌّ بحسب فهمه، ويأخذ الشاعر المعنى الذي يستنبطه من دلالة الرمز، بينه وبين صاحبه، معتمدًا في فكّ شفرة الرمز على أحد العوامل المساعدة، وهي كالتالي:

• إمَّا أن تكون هناك حادثةٌ قريبة يعلمها الشاعران، ولا يعلمها الجمهور

• أو يكون هناك موقفٌ خاصّ بين الشاعرين

• أو حادثة سياسيّة، أو ثقافيّة، أو اجتماعيَّة، عامَّة تكون محور الرمز، وفي هذه الحالة يكون الرمز مشتركا بين الشعراء والجمهور، وهو أقرب أنواع الرمز للفهم، لأنه مشاع بين الناس، غير أنه يحتاج إلى متلقٍّ له قدرة على فك الرموز وفهمها داخل السياق الشعري، كما يحتاج قبل ذلك إلى شاعر بصير بتوظيف الرمز واختيار معجمه الشعري بدقة، وفي هذه يتفاوت الشعراء في اختيار الرمز وقدرته على التوظيف، كل بحسب ثقافته وموهبته الشعرية.

أما طريقة اختيار الرمز، فغالبًا ما يختار شعراء المحاورة رموزهم من البيئة البدويَّة، ومن المحيط الكونيّ، فالجمل، وما يرادفه من الأسماء، رمزٌ يحمل دلالات عدَّة تشير إلى: الشاعر، الحاكم، الخصم، وغيرها ممَّا يمكن أن يكون دالا عليها.

والمطيَّة، رمزٌ له دلالات عدّة، قد تشير إلى: لعبة المحاورة، القضيَّة، اللجنة، الحكومة، القصيدة، وغيرها من المعاني المؤنّثة، ومن الرموز: البحر، السيل، البرق، السحاب، النجم، سهيل، الجدي والثريَّا.

وممّا يلاحظ على شعر المحاورة أنه ينتقي معجمه الشعريّ من نفس معجم الشعر الجاهلي، حتى ان قارئ الشعر الجاهلي لا تكاد تغيب عنه رموز البيئة الشعرية: كالناقة، والسيف، والليل، والبحر، والثريّا، والمطر، والبرق، وكل ما يتصل بها.

وهذا يشير إلى أن طبيعة شاعر المحاورة البدوية، هي امتداد لطبيعة الشاعر الجاهليّ، وربما التقيا في أنهما لسان القبيلة وقناتها الإعلاميَّة.