دشن الأديب الشاب أشرف نصر موقعاً جديداً في مسار الرواية العربية بنقل ما يدور على شاشة الإنترنت وداخل غرف الشات إلى مطبوع ورقي في روايته «حرية دوت كوم»، شكلت في نظر النقاد منعطفاً جديداً للرواية وأرضاً جديدة اكتسبتها. معه هذا الحوار.
كيف تولدت فكرة كتابة رواية بهذا الشكل الجديد؟
منذ فترة يشغلني عالم الإنترنت والإقبال الجنوني للشباب العربي عليه، وأردت الإجابة عن سؤال مهم: لماذا يقبل الشباب على هذا الوسيط وما هي اهتماماته فيه؟ ليست الرواية جديدة في الشكل فحسب ولكن استغرب الجميع وجود أيقونات وصور وجداول بين صفحاتها، فكونها مرتبطة بالإنترنت لا أستطيع أن أتحدث عنها من دون استخدام لغتها.
وبماذا استعنت في كتابتها؟
اعتمدت بشكل أساسي على ما يدور داخل المنتديات، وهو الجزء الثاني من عنوان روايتي «دوت كوم»، في خدمة الحديث عن موضوعي الأهم وهو الجزء الأول من العنوان «حرية». كان شاغلي توظيف الجزء الثاني لصالح الأول من دون شعارات ومن خلال شخصيات بسيطة، شباب عاديون لا يتميزون عن الشباب في أي مكان آخر وليس بينهم زعيم سياسي ولا كاتب ولا وجه سينمائي مشهور، قد تكون اهتماماتهم بسيطة لكنها مهمة بالنسبة إليهم، فالربط بين المفهوم الكبير وهو الحرية وبين هموم الشباب البسيطة كان سببي الرئيس لكتابة هذه الرواية.
هل تندرج كتاباتك تحت مسمى «أدب الإنترنت» إن صح التعبير؟
أصبح تأثير الإنترنت، كما سبق وذكرت، مكوناً رئيساً في ثقافتنا، ويعتبر الحديث عنه نوعاً جديداً من الأدب، هنا يكمن دور النقاد في تحليل هذه الكتابات، وأتمنى أن يظهر ناقد ويقول إن الإنترنت غيَّر في الكتابة وابتكر أساليب جديدة.
ولكن الرواية موجهة إلى من يتعاملون مع الإنترنت؟
كان هدفي في البداية تقريب الكتاب المطبوع من الشباب، بمعنى أنني أتحدث عن وسيط يتعامل معه الشباب (الإنترنت) من خلال وسيط نخشى أن يندثر(الكتاب المطبوع )، ولم أقلق من هذا الأمر لسبب أنه لو وجد من لم يفهم مصطلحات الرواية سيجد من يسأله، إذ لا يخلو بيت من شخص على الأقل يتعامل مع الإنترنت، وفي الوقت نفسه لم أقدم ألغازاً إنما رواية فيها حدث وشخصيات وحبكة.
يرى البعض أن الروايات الشابة هي مجموعة حكايات يربطها رابط وتصلح كل منها قصة قصيرة لكن لا ترقى إلى الرواية؟
هذا منطق غريب وفيه تعميم غير مقبول، ويدل، في رأيي، على تكاسل هؤلاء عن متابعة الجديد، وهو منطق من يريد أن يقف عند مرحلة معينة من الزمان، فلو أننا توقفنا عند كتابات نجيب محفوظ واعتبرناه أفضل من يكتب القصة العربية ولا أحد بعده، لما كنا قرأنا الياس خوري وصنع الله ابراهيم ويحيى الطاهر عبدالله وغيرهم.
تقصد أن نقادنا لا يطالعون الإنتاجات الشابة؟
هم توقفوا عن القراءة في الأساس.
يقول بعض النقاد إن معظم هذه الكتابات الشابة تتعامل مع الواقع اليومي والمعاش ومع تجاربهم الخاصة وهي لم تتجاوز حدود الذاتية؟
هذا الرأي تجاوزه بعضنا، قد نبدو أننا ذاتيون إلا أننا مشغولون بما يسمونه قضايا كبرى مثل احتلال العراق وفلسطين، لكن ليس بمنطقهم الذي يعتبر أن القضايا الكبيرة أهم من القضايا الأخرى، إنما بمنطقنا الذي يعتبر أن الاثنين على القدر نفسه من الأهمية، فما يحدث في العراق هو بالأهمية نفسها التي يبحث فيها شاب ما عن فيلم يرضيه.
لكن الملاحظ وجود كثيرين يكتبون عن أنفسهم؟
الكتابة عن النفس هنا هي محاولة لفهمها، لأنه لا يصح أن تخاطب الناس من دون أن تفهم نفسك، نحن جيل خرج إلى الحياة فوجد الواقع مختلطاً ومتشظياً فجأة والدنيا من حولنا تنهار والايديولوجيا تسقط (انهيار الاتحاد السوفياتي) وبلداً عربياً يحتل بلد عربي آخر. في مرحلتنا الجامعية، كان الإرهاب وقتل السياح في الأقصر، وعندما بدأت حياتنا بالاستقرار فاجأنا مجنون بتدمير برجي التجارة العالميين في الولايات المتحدة الأميركية، ورد عليه مجنون آخر باحتلال بلد عربي، بات السؤال المهم بالنسبة الينا ما الذي يحدث؟ أصبحنا متخبطين والأمور مختلطة بالنسبة الينا نحن الشباب، أما الكبار فعاشوا على وهم امتلاك الحقيقة.
كيف انعكس هذا الاختلاط والتشظي على كتاباتكم؟
انعكس في شكل التمرد، من يكتب عن أمر ما يصل إلى أقصى حدوده، ومن يكتب عن السياسة يكتب بمنتهى الجرأة، ومن يكتب عن المجتمع يكسر تابوه الدين، وهذا ليس استعراض عضلات بل نكاد ننفجر مما يحدث حولنا.
ما طبيعة المشكلة بينكم وبين الأجيال السابقة؟
تتحدد أزمتنا مع الأجيال السابقة بخاصة جيل الستينات في شقين: الأول، نظرتهم إلى الحياة وعودتهم إلى الماضي في كتاباتهم، ما يعني عجزهم عن معايشة اللحظة. أما نحن فمجبرون على أن نعيش بل أن ننجو. الثاني، سيطرة جيل الستينات على المؤسسات الثقافية، والمفارقة أنهم يمارسون علينا السلطة التي كانوا يشكون من ممارستها من قبل من سبقوهم. أتساءل بمرارة: هل تبنّى كاتب كبير منهم مبدعأً شاباً؟ وهل قدم أحدهم أي شاب منا إلى الجمهور؟
على الرغم من الزخم الروائي، ليس لدينا حالة ثقافية ولا نملك منجزاً ثقافياً؟
في النهاية لا تنفصل الأمور عن بعضها، تتعلق الأوضاع السياسية المتردية بالاقتصاد الضعيف والعلاقات الاجتماعية غير العادلة، ولكي نوجد منجزاً ثقافياً وحالة ثقافية في المجتمع نحتاج إلى تغيير مجتمع بأكمله، وليس عدلا أن تحمل مجموعة ما مسؤولية هذا التغيير.
ما تأثير هذه الأوضاع المتردية عليك ككاتب؟
أن أجد في النهاية أن إبداعنا الأدبي سواء جيلنا أو الذي سبقنا، لا يساوي هروب عصام الحضري من النادي الأهلي، وأن أي كاتب منا لا يحدث إبداعه الأصداء التي حققتها أزمة الحضري التي هزت مصر.
لكل أديب مشروع أدبي خاص به يسعى إلى تحقيقه، فما هو مشروعك؟
ما زلت أبحث عنه على غرار كل الكتاب الجدد، ليس لدينا فكرة مشروع نريد تحقيقه إنما نكتشف ذلك في مسيرتنا وليس مسبقاً، لا أستطيع تحديد مشروع متكامل لي، فعالم الرواية له الأولوية عندي، من هنا ركزت في روايتي الأولى على قريتي في الفيوم، والثانية على عالم الإنترنت ولا أعلم عن الثالثة، لأن الكتابة بالنسبة إلي قهر وجبر وليست اختياراً، يحاصرني النص ليخرج على الورق.
هناك من يرى الإنتاج الأدبي في مصر اليوم غير مؤثر في الحراك الاجتماعي والسياسي؟
يتوهم من يعتبر أن الرواية تستطيع أن تصنع ثورة أو تغيِّر مجتمعاً، الكتابة لا تغير الواقع وأقصى حدودها أن تثير الأسئلة.