أول القوْل لا شيء
لطالما أدهشتني الجُمل الأولى، ما اصطفاه المؤلفون من حديث النفس. أحبها بقدْر ذلك التباهي الذي يزيّنها بأنها أول ما يملك فرصة شدّ الانتباه، أول ما يُدوّن ويُتلى ويُسمع، أول الجهْر والتسليم للقلم، لتصبح هي المتْن ويغدو بقيّة الكلام... كلاماً.أستطيع أن أرى بوضوح، كلّما مسكت القلم وحدجت الصفحة الفارغة أمامي، أوّل ما أودّ أن أقوله. أراه وأسمعه وأحدّثني به وأتلوه لنفسي وأردّده، يكتظّ بي حتى يبدو لي أنّه ملّني.. أُثقَل به.. وأقرّر فكّ قيده. أمنّي نفسي أن يستسلم للحروف ويوري بها هذا التجرّد. كيف للكلمة أن تكون السبيل الأسهل للتحرّر من ثقل الكلمة؟ كيف لمعناها أن يتجلّى ويُحبَس في الوقت ذاته؟ كيف لي أن أراها بوضوح، ولا؟ أضع القلم علّي أجد مخرجاً.أشيح بنظري بعيداً خوفاً من أن تطاردني تلك الأسئلة التي لم أفلح في إجابتها، أنا التي صغتها ومنحتها وجوداً حرفياً حتى ظلّت تنظر إلى بتساؤل واستفهام... أتعثّر بنظراتي من كمّ ما تجرّ من قيود خلفها، كلّما اعتزمَت المضي استوقفها ثقل خُطاها. أنا أعلم جيداً أن بعض التساؤلات يغني استفهامها عن أي إجابة، فكيف ليقينٍ مُطَمْئنٍ أن يلازمهُ ظنّ مُربك كهذا؟ كيف للقلب أن يضيق عليه غشاؤه؟ ما كذّب الفؤاد ما رأى، وأنا أرى ما أودّ قوله بوضوح لا غشاوة عليه.محاولة أخرى. أضع القلم أول السطر وأدوّن ما يلقّنني به الحلّاج: {وأطيب الحبّ ما تمّ الحديثُ بهِ، كالنار لم تؤت نفعاً وهي بالحجرِ»... يُدفئني البيت ويذيب بعض القلق، فأكمل: {لا بدّ للكلام أن يقال وإن ضاع بعضه}.. لا، الكلام لا يضيع طريقه، هو دائماً هنا.. حسبنا أن نجعله هناك.. حسناً، أعني {وإن تعثر بعضه} ثمّ أُكمل: {فأجمل القوْل ليس لزيم الجمال، بل إن الجمال أقصى درجاته تعثُّر.. كأن نتملّى ببيتِ شعرٍ جميل، أو رواية رائعة، أو لحظة هانئة نتمنّى لو كانت ردحاً من الدّهر، فيتعثّرفي سبيل الوصف الكلام، ونهتدي للحيرة.. لا منها}.ها قد لان القلم من تزمّته، بدأ يشاركني الحيرة ويستلذّ معي بنشوة الارتباك.. حمّلتهُ ظنوني وفضّلها على يقينه. هي الكتابة، فكّرتُ قليلاً.. ثمّ كتبت كأنني دخلت في محادثة مع القلم، ألقّنه وأمارس سلطتي عليه قبل أن يجد سلطاناً عليّ: {هي الكتابة، ولادة فكرة من العدم، خروج من الذات وبها، تجاوز الفرديّة وتسهيل الانسجام بفعل الخيال.. بفعل الحروف..بفعل الشجاعة، مثل الحبّ تماماً، أقصى حاجاتنا}... هي ليست حاجة. «بلى، كالحبّ تماماً، قد نظنّ أن مجرّد وجوده يكفي.. أو أن وجوده المجرّد يكفي، فلا حاجة لأن يَبِين..»هل هي فعلاً حاجة؟ «نعم، هي حاجة، ككل مستثنى في حياتنا، قد يتوارى عن غيرنا تحت العادي من الأشياء والأشخاص والكلام، لكنه يتجلّى لنا ممتلئاً بذاته حدّ الجوْر على صفة النقصان.. نراه بوضوح وغيرنا يرى أن لا حاجة»...لا حاجة.. أتفكّر، أقلّب الكلمة يميناً وشمالاً حتى تبدو الحروف غير الحروف والمعنى غير المعنى.. يكفي، أعلم ما سأقول:«كشعورٍ من فرطه يضجّ بالسكون، أو كلمة من كثرتها تفيض بالفراغ، أو معنى من كثرة ترديده لا يفي، كهؤلاء تماماً وكالحبّ الذي يظلّلهم، يهجرهم الكثير من الناس لأن لا حاجة، وأختار أنا أن أعيش الترف.. وأكتب}.قد يكون أول القول لا شيء، وقد يكون اللاشيء كل شيء، لكنّني أراه بوضوح.