إلى صاحب الأمس ... ولا تحيّة
«يا صاحب الأمس»، والأمس لذاكِرِه قريب؛
ما كادت قاعة 'أبو الدستور' تغلق بابها بعد جلسة الاستجوابات الأربعة، حتى فتحت باب ندوة 'حول الرقابة والتشريع'، وفتحت على الكويت باب أزمة قديمة مشروخة ومتكررة، حين طرحت مقترحاتك بشأن تعديل دستور الكويت، وقد تولت معظم الصحف المحلية ومنها 'الجريدة' نشر مقترحاتك هذه.
وصباح الأحد 13 ديسمبر الجاري، صدرت 'الجريدة' بافتتاحية تتناول مقترحاتك المشار إليها بكل رصانة واتزان، وبالتزام كامل بأدب الحوار ولغته، لم تذكر حتى اسمك، ولم تتعرض لشخصك، بل عالجت الرأي بالرأي، وفنّدت خطأ المقترحات بالاستناد إلى المحاضر والتجارب والدراسات.
ومنذ ذلك اليوم، وأنت تنتقل من فضائية إلى أخرى، وتنتقل من تصريح إلى تلميح إلى مقابلة، مهاجماً كل من رفض مقترحاتك، ومتهجماً على كل متسائل عن مقاصدها وأهدافها، وعلى كل من استغرب أسلوب طرحها وارتاب في اختيار توقيتها. وكان لـ'الجريدة' من فورتك الغاضبة حصة الأسد، ووصفتها، بين ما وصفتها، بجريدة 'أصحاب الأمس أعداء اليوم' وتوجهت إلى هؤلاء 'الأعدقاء' بالقول: 'كفاكم انتقاماً مني'.
«يا صاحب الأمس»، والأمس لذاكره بعيد؛
أكثر من عشرة أيام وليال عشر، وأنت تقدم نفسك بكل وسيلة ممكنة على أنك ضحية القوى المصادرة للرأي، المحتكرة للوطنية، الرافضة للحوار، من رجال 'الجيش الشعبي' وهواة 'حفلات اللطم' و'أصحاب الأمس الساعين للانتقام'.
وطوال أكثر من عشرة أيام وليال عشر، ونحن نتابع بحزن كيف اختل ميزان العدالة في يد 'قاضي الأمس' فتشوهت الحقائق، وضاعت الأدلة، وتاهت الأحكام. ورغم كل ما أصابنا من جراء ذلك،
آثرنا الامتناع عن الرد، لأن الموضوع بالنسبة إلينا قد انتهى بعد أن دفعنا بصوت مطبوع ما طرحته أنت 'بصوت مسموع' على حد تعبيرك غير أنك وللأسف الشديد عزوت صمتنا إلى وهن عزيمتنا، وفسرت ترفعنا بضعف حجتنا، فرأينا أن نعود عليك دون أن نتخلى عن ترفعنا، وأن نواجهك دون أن نتخلى عن أدب الحوار. «يا صاحب الأمس»، ولا ننكر ذلك، ولا نعتذر عنه؛
لم ينكر عليك أحد حقك في إعلان رأيك والحشد له، ولم يحاول أحد أن يحد منه أو يضبط وقعه، بل أخذت فرصتك كاملة غير منقوصة، فرتبت ندوة، ونصبت بوقاً ومنبراً، وأطلقت 'تفكيرك بصوت عالٍ' وبمنتهى الحرية، واستعنت في ذلك بخبرات عربية. ما أنكرناه منك أن تقول لكل من خالفك في الرأي 'اشربوا البحر'،
وما أخذناه عليك قولك: 'اركبوا أعلى خيلكم' وما نعيبه منك إطلاقك لرأيك خارج قاعة عبدالله السالم، ومطالبتك الناس بأن يناقشوه وكأنه اقتراح نيابي. إن ممارستك حقك في إبداء الرأي تعطي الآخرين حقا مماثلاً ومقابلاً لإبداء آرائهم. وهذا ما قمنا به في 'الجريدة'، وما قامت به الصحف الأخرى. وهذا كل ما فعله زملاء لك في مجلس الأمة لا يشاركونك الرأي ورجال دستور وقانون يعرفون تماماً عمق الخطأ الذي وقعت فيه. وهذا ما فعلته الحكومة حين أعلنت بلسان وزيرها روضان الروضان براءتها من دم ندوتك، بعد أن فوجئت بتسرّعك، وأدركت أن ندوتك قد انقلبت عبئاً عليها بدل أن تكون عباءة لها. «يا صاحب الأمس» ولا نعتز بذلك، ولا نأسف لانقضائه؛
اتفقنا معك على أن الدستور ليس كتاباً مقدساً لا تبديل فيه ولا تعديل عليه، بل أوضحنا أيضاً ألا جديد في هذا القول، فالدستور ذاته فتح المجال لذلك ونص عليه، غير أن عدم قدسية الدستور لا يعني أبداً أن ننتهك هيبته، ولا يعني أبداً أن نتجاهل توازنه وحكمته، وعدم قدسية الدستور لا يجعل منه رواية من روايات ما قبل النوم، نقرأها توسلاً للنعاس، ومحاولة لتزيين الأحلام التي يمكن أن تجعل لنا 'شاليه' على شاطئ الكويت شتاء، وبيتاً في ذرى لبنان صيفاً، وتحملنا على أجنحة خفية إلى آفاق ومواقع أبعد من قوس محكمة وأكبر من كرسي نيابة. «يا صاحب الأمس»، وللأمس ذكريات ولا أجمل، ومواقف ولا أنبل؛
دعوتنا نحن، أصحابَ الأمس أعداءَ اليوم، إلى أن نكفّ عن الانتقام منك، فهل سبق لـ'الجريدة' أن توجهت إليك بنقد، أو تقوَّلت عليك بتصريح، أو أهملت أخبارك بمناسبة؟ وهل سبق لـ'الجريدة' أن تناولت بالتحليل أو التفسير التغير الجذري في مواقفك أو التحول الحاد في مواقعك؟ رغم كثرة ما يمكن أن يقال في هذا المجال، ورغم صحة ومصداقية ما يمكن أن نقول لو أردنا أن نقول؟ ونطمئنك سلفاً بأننا لم نفعل ولن نفعل ذلك، فنحن نحترم أمانة المجالس، ونحفظ بوح الإخوان، ولا يمكن إلا أن نكون أوفياء لهم، حتى لو تغيروا وتبدّلوا وتناسوا صحبة الأمس وأيام زمان.
بقي أن نقول هنا إن كتَّاب 'الجريدة'، على عكس ما تدعي وتشيع، هم كتَّاب أحرار الفكر والموقف والقلم، وأكبر دليل على ذلك أن منهم من عارض مقترحاتك، ومنهم من انضم إلى دعوتك، ومنهم من اكتفى بالشكوى من تسرعك وبالارتياب في غرضك ودافعك وتوقيتك. أما إذا كنت تعتقد أن كتَّاب أي صحيفة يجب أن يلتزموا بخط ناشرها، ويجب أن ينالوا موافقة رئيس تحريرها، وأن من حق هذا وذاك مصادرة كل رأي يخالف رأيهم أو يخرج عن خطهم، فما عليك إلا أن تضيف ذلك إلى تعديلاتك المقترحة على الدستور، لأنه ينسجم معها ويتكامل بها. «يا صاحب الأمس»، وكم نحن حزانى لألم وحدتك ووحشة دربك؛
نحن مدينون لك باعتذار، فقد جاء بافتتاحية 'الجريدة' يوم 13 ديسمبر الجاري أننا لم نفاجأ بما يبدو أنه بداية حملة مخططة لتعديل الدستور... ولكن فجعنا لأننا لم نتصور لحظةً واحدة أن مثل هذه الحملة يمكن أن تبدأ بمن دخل قاعة عبدالله السالم من باب القانون والقضاء، نحن مدينون لك باعتذار لأن أملنا بك كان أكبر مما يجب، ولأن ثقتنا بحصافتك ورصانتك كان فيها مغالاة الصديق وحماس القريب، نحن مدينون لك باعتذار لأننا نسينا المثل الشعبي 'الحي يقلب'، ولأننا -رغم الندوب والأوجاع-
نسينا الطعنات الكثيرة التي تلقيناها في الظهر وفي الصدر نتيجة تقلب المواقف والمصالح. نحن مدينون لك باعتذار عن حسن الظن وطيبة القلب، وغلبة الأمل، وارتفاع الثقة. بسبب كل أخطائنا هذه، نحن مدينون لك باعتذار... وإننا نعتذر.
الجريدة