يُعتبر الصراع العربي الإسرائيلي مجرد انتكاسة تاريخية عابرة مقارنةً بالنزاعات القديمة بين العرب والفرس، وبين السُنّة والشيعة، ولا يشكّل هذا الصراع في مدّته إلا جزءاً بسيطاً من تلك النزاعات الطويلة ولا يمكن مقارنة أعداد القتلى الذين سقطوا في الصراعين.
وفقاً لدراسة جديدة ترتكز على استطلاعات رأي الأشخاص الذين يستضيفون مناظرات الدوحة في قطر، تعتبر أغلبية ساحقة من 18 دولة عربية راهناً أن إيران تطرح خطراً أكبر من إسرائيل على الأمن في الشرق الأوسط. إنه رأي القيادات في معظم هذه البلدان منذ سنوات عدة، ويجب اعتبار الطريقة التي يفكر فيها المواطنون العاديون الآن أخباراً مشجعة بالنسبة إلى الجميع في المنطقة، باستثناء الحكومة الإيرانية، وحركة «حماس»، و»حزب الله».
قد يجد البعض صعوبة في تصديق أن هذا الكم من العرب يعتبرون إيران أكثر خطورة من إسرائيل، لكني لا أستغرب ذلك. عدا عن أن إيران هي أخطر من إسرائيل فعلياً، لطالما تبادل العرب والفرس مشاعر الكراهية لأكثر من ألف عام، منذ أن غزا العرب إيران القديمة وحولوا شعبها إلى الديانة الإسلامية. تتعزز العدائية الإثنية المستمرة بين الطرفين بفعل المذهبية الدينية. معظم العرب هم من السُنّة ومعظم الفرس هم من الشيعة، ولطالما عاش السُنّة والشيعة صراعاً في ما بينهم منذ القرن الثامن.
بعد الثورة الإيرانية ضد الشاه رضا بهلوي عام 1979، نشرت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله روح الله الخميني حملة من الإمبريالية والإرهاب في أرجاء الشرق الأوسط. لم يُخفِ الخميني مطلقاً طموحه بقيادة العالم الإسلامي كله، وقد بدأت الحكومة التي شكّلها بالتخريب على النظام العربي السُنّي القائم بعنف كبير منذ ذلك الحين.
كانت إيران على علاقة ممتازة مع إسرئيل قبل أن ينسف الخميني التحالف بينهما وينتقل إلى الجانب العربي، واعتمد الخميني، تماماً مثل خلفه علي خامنئي، حركة عنيفة معادية للصهيونية لاستمالة قلوب العرب وعقولهم. لقد نجح المخطط إلى درجة معينة لفترة من الزمن، ولم تصدّق معظم الحكومات العربية هذه النوايا، لكن معظم الشعب صدقها.
مع أن إيران تضم أغلبية فارسية وشيعية، فإنها حظيت، عام 2006، بدعم ملحوظ من العرب السُنّة بسبب اعتدائها على إسرائيل من لبنان على يد عملائها في «حزب الله». (لم يكن السُنّة اللبنانيون راضين عن الأمر تماماً، لكن السُنّة في مصر وسورية سُعدوا بما حصل طبعاً). شعرت الحكومتان المصرية والسعودية بالخطر وأدانتا ما فعله «حزب الله» لتأجيج الصراع.
كان ذلك موقفاً غير مسبوق، فلم يكد يذكر الأمر في الغرب، لكن هذا الموقف كان مدوياً في الشرق الأوسط، ما دفع بعض الشيعة اللبنانيين المذعورين إلى التفكير بأن السُنّة والإسرائيليين كانوا يتآمرون ضدهم.
قال لي أحد الأفراد المتحمسين خلال حشد من تنظيم «حزب الله» في وسط بيروت: «إن الخليجيين يعطون القنابل لإسرائيل لقتل شعبي!» كان الرجل مجنوناً طبعاً. لا تحتاج إسرائيل إلى قنابل الخليج، ولا أحد في الخليج مستعد لوهبها أو بيعها القنابل حتى لو طلبت إسرائيل ذلك، ومع ذلك، كان الرجل محقاً بشعوره بأن السُنّة في المنطقة ليسوا مستعدين حقاً للتعاون مع الشيعة ضد إسرائيل كما كانوا في السابق.
يُعتبر الصراع العربي الإسرائيلي مجرد انتكاسة تاريخية عابرة مقارنةً بالنزاعات القديمة بين العرب والفرس، وبين السُنّة والشيعة. لا يشكّل هذا الصراع في مدّته إلا جزءاً بسيطاً من تلك النزاعات الطويلة ولا يمكن مقارنة أعداد القتلى الذين سقطوا في الصراعين. لقد قتل العرب والفرس مئات آلاف الأشخاص من الطرفين في الحرب بين إيران والعراق وحدها خلال الثمانينيات، وقد كانت الحرب الأهلية بين المجموعات المسلحة السُنية والشيعية في بغداد، منذ بضع سنوات، أعنف بكثير من أي حرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
احتاج المواطنون العرب العاديون إلى وقت من الزمن لاستيعاب هذه الوقائع كلها. طوال مدة زمنية معينة، وُجد شرخ بين الحكام العرب السُنّة والشعوب في المنطقة. بدا وكأن إيران، من خلال دعم «حزب الله» وحركة «حماس» ضد إسرائيل، قد تتمكن من تنفيذ انقلاب غير متوقع عبر حشد جموع من العرب السُنّة لدعم الهيمنة الفارسية الشيعية، لكن ذلك الشرخ لم يعد موجوداً على ما يبدو.
بفضل إصرار الحكومة الإيرانية على تطوير أسلحة نووية، قد يحجب الصراع القديم بين الفرس والعرب، وبين الشيعة والسُنّة، وهج الصراع العربي الإسرائيلي أخيراً.
لم تتوصل معظم وسائل الإعلام والسياسات الخارجية الغربية إلى استيعاب ما يحصل، وستكون تداعيات هذه السياسة على الولايات المتحدة وإسرائيل عميقة، وكلما فهمت واشنطن والقدس التطورات باكراً، كان الوضع أفضل لهما.