لا يمكن نفي قدرة الفرح على فتح باب القصيدة، وإغراء الكلمات بالبوح، وتحريض الخيال على إقناع أشرعته بإبحار شهيّ... غير أنّ للألم معرفة أكبر في طقس القصيدة، وخبرة طويلة في اجتذاب اللغة إلى ضفّة الشّعر وقد تكون الدمعة نقطة ضعف القافية، وقد يكون الجرح الجسر الأجمل الذي يغري الكلمات بالوقوف عليه طويلاً، طويلاً، إلى أن تكتمل غيمة الدهشة فوق روؤسها.
{مشية الإوزّة} للشاعرة سعديّة مفرّح جديد يضمّ ستّة دواوين: {ليل مشغول بالفتنة} 2008، و{تواضعت أحلامي كثيرًا} 2006، و{مجرّد مرآة مستلقية} 1999، و{كتاب الآثام} 1997، و{تغيب فأسرج خيل ظنوني} 1994، و{آخر الحالمين كان} 1990. وفي تصفّح {مشية الإوزّة} من أوّله إلى آخره يلحظ القارئ أنّ الشاعرة أمينة لظلالها في مرايا القصيدة وهي ذات تجربة عريقة مع الحبّ عرفت كيف تقطفها شعرًا وتتعامل مع الألم بحرفيّة ليصير جمالاً.
في قصيدة {فقدان} تقول مفرّح: {في الطريق الجانبيّة وحدها / أحاول أن أكون / أمسِّد شعري المختبئ اضطرارًا / أدسّ يدي اليمنى في جيبي / أمشي مشية الإوزّة/... لكن الطرق الجانبية/ مزدحمة بالعابرين أيضاً/ والإوزّة/ لا تفقه لغّة النّملـ{. قد يكون هذا الكلام خير تقرير شعريّ عن مفرّح. فهي تنسحب من ضجيج العالم لترسم خطواتها على خيلاء وفرح وانسجام مع النفس، غير أنّ {الطرق الجانبيّة} تصادر، أيضًا، المساحة المفترضة للذات، والإوزّة ممنوع عليها أن تكون إوزّة، لأنّ للنمل لغته الشائعة، ولا مجال للإنسان ليحرس ظلّه ويحميه من ظلال الآخرين. وإوزّة مفرّح الحزينة ليست بعيدة من {نورس} الشاعر الفرنسي {بودلير}، ذلك النورس الذي تختصر مشكلته بجناحيه الكبيرين. وكذلك هي إوزّة مفرّح ترفض قدر النّمل الذي يعيقها من الوصول إلى نشوة جناحيها ونسغ الكبر والأنفة في عينيها.
تحاول مفرّح في {ليل مشغول بالفتنة}، الديوان ـ القصيدة، أن تصف كيفيّة مجيئها: {تجيئين / مثل بلّورة اصطفاها النور في منبعه الأوّل / ... مثل غيمة مثقلة بدموع لا تسقط / إلا في حضن جبل شاهق / يتوتّر بصفرة أعشابه / أواخر آذار}... بهذه الرمزيّة الطاعنة في الألم ترسم الشاعرة مجيئها. لا جبل يتباهى بأخضره لمطرها الآتي من بعيد، إنّما الجبل الشاهق المقصود زاره الأصفر في آذار، واستقبل ربيعه خريفًا، وغيمته الزائرة لا بدّ من أن تبكي عليه أكثر ممّا تبكي له. أمّا خطوات مفرّح فهي على الماء، وأيّ ماء؟، {تتدرّبين على المشي فوق بحار الظنون}. اليقين ضالّة الشاعرة في ليلها المشغول بالفتنة والأحلام القصوى، ما يجعلها تخلط الذهب بالفضّة والرمل بالغيم والشكّ باليقين... مجموعة ثنائيّات متعارضة تشكّل حالة إنسانيّة تبحث عن وتد نبتت له جذور في الرمال حين العاصفة تهدّد كلّ وجود. المرأة في مفرّح كثيفة الحضور والحبّ أزمتها الوجوديّة، والرّجل هو الحاضر الغائب دائمًا: {هو الرّجل الوحيد / ولعلّه الأكثر كي يبقى.../ سماؤك الأولى/ ونجمتك اللامعة في عتمة السهر}. لا تعرف مفرّح الاقتصاد العاطفيّ، ولا تنشد رجلاً مضمون الحضور، إنّما تترك لقلبها أنّ يحدّد اتجاهات العمر والقصيدة، وتتبعه معتمرة تاجًا من الدمع والظنّ والجمال. وتعرف مفرّح أنّ للنساء الشرقيّات قبورًا ضيّقة، بلا شواهد، بينما الرجال {فلهم تنحاز السماء.../ ولهم تنحاز الأرض/ فتنبسط لخطواتها خضرة وقبورًا واسعة جدًّا/ بشواهد فاخرة جدًّا / وصلوات جماعيّة}. ولمثل هذا التصريح إعلان لوجع المرأة الشرقيّة وتبنٍّ له من الشاعرة التي كثيرًا ما تجتاز ألمها الشخصي وتجربتها الخاصّة لتتبنّى قضيّة المرأة في شرق ذكوري حتّى العضم. ومفرّح بكلامها هذا تنفض الغبار عن الاجتماعيّ والدينيّ في آن واحد وتعترف بأنّ المرأة لا تزال الكائن الغائب، وإذا كان ممنوعًا عليها أن تثبت أنّها على قيد الحياة، فإنّه ممنوع بالتالي أن تعلن أنّها على قيد الموت، باعتبار أنّ الذي لا يولد لا يموت، والمرأة شرقًا لم تولد بعد.
حُب
والحبّ يزور مفرّح، يزورها: {مثل نبيّ بلا نبوءة / مثل بحر يبحث عن سواحله البعيدة / مثل قصيدة غير مكتملة}... تحترف الشاعرة لعبة الانتظار الصعب، لكنّ المجيء يبقى مَجَازًا. تمعن في السّير وإن على مياه الظنون، لكنّ الوصول لا يصل أبدًا. فمن يرشد بحرًا إلى سواحله؟ ومن له أن يأخذ بيد قصيدة غير مكتملة نحو نهايتها؟ ومن صدره نبوءة لنبيّ وصل فارغ الصدر واليدين؟ ليس لدى مفرّح رجل يستلقي على شرفة بيت. رجل يحضر. رجل يعانق. رجل يُنجب. ثمّة رجل يقيم فحسب في المحبرة ويلفّه ضباب القلب ويعملقه الشوق، وتبالغ الذاكرة في رسمه ليصير أسطورة وإن من لحم ودم.
ولا شكّ في أنّ مفرّح تتقن التعامل مع التفاصيل الصغيرة والأشياء الصغيرة، وتحاول استثمار عاديّات الأيّام ما يجعل قصيدتها موشومة بالواقع. فللـ{مرحبا} قصيدتها: {مرحبا... / بلكنة الفضاء المشاع/ وبتركيز ممتع على ميم البداية / تَعقُب
الـ {ألو} العبقريّة الأولى}... وتسترسل الشاعرة في توصيف الـ{مرحبا} إلى أن تصير اللغة مفردة واحدة. اللغة كلّها تستقيل. تدعو مفرداتها إلى القفز عن شرفات المعاني. وحدها الـ{مرحبا} تكفي لحضور جبل من الفرح: {لا جمع أكثر اتساعًا/ لا مفردة أوسع جمعًا}. وقد تُظهر قصيدة {ثلاجة} مدى تعاطي قصيدة مفرّح مع الأشياء وتفاصيل الأيّام أكثر: {فتحتها / مرتّبة أشياؤها: / زجاجات الحليب المحفوظ / علب الجبن / أكياس اللحم المجمّد/ تفّاحات صفراء / أدوية / وخبز... / في ثلاجة روحي / تتبعثر الأشياء / وتنتهي صلاحيّتها / من دون أن يفتحها أحد}. وهذا المنحى يظهر تأثير الحداثة على قصيدة سعديّة مفرّح، إذ يتّسع بساط الشّعر لديها لما كان ممنوعًا عليه الانتساب إلى القصيدة. وواضح أن الشاعرة ليس لديها {عقد} شعريّة فهي تلجأ الى القصيدة التفعيلة حينًا وتتحرّر من الوزن والقافية أحيانًا وتزاوج في نصّها الواحد بين الشّعر الموزون وغير الموزون. كذلك تكتب النثريّ مثل {أختفي بذكرى لا تجيء} و{لا أتحدّث عن هذا الحزن}.
في قصيدة {اعترافات امرأة بدويّة} يستيقظ في وجدان مفرّح الحنين إلى الصحراء، وإلى زمن المعنى وطعم الحياة، احتجاجًا على عصر يغتال الذاكرة ويؤسّس لإنسان عدوّ الشّعر والقهوة ورائحة الهَيْل. تقول الشاعرة: {تعذّبني / كلّ التفاصيل التي لم تغادر مرفأ الذاكرة / فحين تعجّ بصدري رياح التغيُّر / تفاجئني ضرباتها في جدار التذكرْ/ ترشّ التصوّر إثر التصوّر/ لبيت من الشّعر.../ لرائحة لم تزل رغم كلّ عطور التحضّر/ لاصقة بثيابي}... وتطيل الشاعرة زمن الحنين إلى الخيمة وتبارك الرّمل وتعلن انتماءها إلى الزمن الذي لن يعود وتفتخر بجنون التذكّر على الوعي وتعتبره أكثر عقلاً. إنّها صدمة المدينة تجعل بوصلة مفرّح تتّجه قبلة الروح، نحو القلب الذي لا يموت، نحو صقيع الرمال التي هي ذات دفء أيضًا لا تعرفه: {كلّ المصابيح التي تنتمي للسّواد}. وتندرج قصيدة {الأوتاد تموت انتحارًا في هذا السياق، وفيها تخاطب مفرّح رجلها لكي تسرج القلب وتعدو: في صحارٍ حاكها الله رمالاً/ من خيوط المستحيلـ{. وتحذّره من السّير وحيدًا على دروب المدينة وتدعوه إلى العودة حينما تسقط عن شرفة ذاكرته كلّ العناوين: {تذكر / أنت لم تنسَ عناوين الخيام}. وتراهن على أنه سيواجه الأبواب الموصدة وخوف العار، وتسميّه {الصعلوك} وهي تناديه: {عد تجدني / بين ثوبي وعباءاتي أربّي / وردة الهيل بأرض المستحيلـ{.
لدى سعديّة مفرّح ما تقوله للشّعر العربيّ، وقصيدتها ليست واحدة، فهي منفتحة على كلّ مناخات الشّعر وتحوّلاته، وإذا كانت في بعض القصائد ترهق النصّ بكثافة المجاز وغموض الرمز، فهي في البعض الآخر تنجح في توزيع الظلّ والضوء على امتداد القصيدة.
الكتاب صادر عن دار مسعى في الكويت بالتعاون مع الدار العربية للعلوم ناشرون.