 |
| المسجد الأقصى هل ينجو من محاولات التخريب |
«القدس عبر العصور»، عنوان المؤتمر الدولي الذي عُقد في دار الكتب والوثائق المصرية احتفالاً بالقدس عاصمة الثقافة العربية لعام 2009. يأتي هذا المؤتمر ضمن سلسلة من الاحتفالات تنظّمها مصر بالمناسبة، من بينها جمع تراث المدينة الخالد وتوثيقه وذلك في مواجهة الحملة الصهيونية الشرسة لتهويد كل ركن عربي فيها.
تساءل الباحثون المشاركون في المؤتمر عن مصير مدينة القدس أمام التلاعب الصهيوني بتراثها ومحاولة محوه بخطط ممنهجة، واستبدال الأثر العربي الإسلامي أو المسيحي على حدّ سواء بمكوّن معماري يهودي لصبغ المدينة بالصبغة اليهودية. وقد أكد هؤلاء أن الوثائق المادية وحجج الأوقاف هي السبيل للحفاظ على القدس من هذه المحاولات، بعد تجميعها وتوثيقها ونشرها على مستوى عالمي، في ظل تقاعس دولي وعربي، وصمت منظّمة اليونيسكو، المعنية بحفظ التراث العالمي، أمام آلة الهدم الصهيونية.
في الإطار نفسه، توقّف الباحثون عند ازدياد عدد الأكاديميين اليهود والباحثين الذين ينقّبون في وثائق الأرشيف العثماني المتعلّق بالقدس وفلسطين، وتضاؤل عدد الباحثين العرب والمسلمين المهتمين بهذا الشأن.
حائط البراق
كشف الباحث فتحي عثمان عن وجود «وقفية» لم يسبق نشرها، موجودة في جامعة «أدنبرة» الاسكتلندية، تؤكد أن «حائط البراق» (المعروف ادعاءً لدى اليهود بحائط المبكى) منطقة وقف إسلامي، ما ينسف أي مزاعم صهيونية لملكيّتهم هذه المنطقة. أضاف عثمان: «لم يهتم أحد من الباحثين أو الجهات المعنية بنشر هذه الوثيقة المهمّة في قضية عروبة القدس».
اتفق الدكتور رفعت هلال، رئيس الوثائق القومية المصرية، مع عثمان حول أهمية الوثائق في دفع الخطر الصهيوني عن المدينة، مشيراً إلى أن رصيد دار الوثائق المصرية من وثائق بيت المقدس يعود إلى أوائل العصر العثماني، وهي مهمة لإثبات تفوّق كثافة العرب السكانية على مدى تاريخ القدس ونفي المزاعم الصهيونية حول ملكيتهم لأراضٍ فيها منذ زمن قديم جداً.
أوضح هلال أن الهدف من عقد هذا المؤتمر التأكيد على طابع مدينة القدس العربي وإطلاق صرخة استغاثة للعالم كله، تحديداً اليونيسكو، للحفاظ على تراث المدينة العربي من خلال جمع الوثائق المهمة عنها ونشرها لتنكشف أسرار الحركة الصهيونية وكيفية تغلغلها في جسم المدينة الطاهرة.
أشار «هلال» إلى إقامة معرض على هامش المؤتمر يضم حوالى 40 صورة للوثائق المختارة من رصيد دار الوثائق الخاصة في القدس تلقي الضوء على المدينة في العصور كافة.
تهويد القدس
من جهتها، تناولت الدكتورة زبيدة عطا، أستاذة التاريخ الوسيط في جامعة حلوان، محاولات المؤرّخين الإسرائيليين لإنتاج كتب ودراسات توزَّع على مراكز البحوث العلمية في العالم لصياغة عقل الغرب الجماعي واعترافه بيهودية القدس عبر التأكيد على الهوية اليهودية وطرحها كأساس لتاريخ المدينة، وتصوير الوجود العربي فيها على أنه عابر ولا يمثّل لب تاريخ المدينة اليهودي.
نعت عطا الغياب العربي في المحافل الدولية ما ترك الساحة واسعة أمام الأطروحات الصهيونية، وأعطت مثالاً على هذا الغياب نشاط الإسرائيليين في تلوين الوثائق لخدمة رؤيتهم وأفكارهم المغلوطة، مؤكدة أن ثمة أكثر من خمسمائة كتاب ودراسة في هذا الاتجاه يتم التعامل معها في المراكز البحثية الغربية باعتبارها مراجع موثّقة في ظل غياب الطرح العربي.
أوضحت عطا أن اسم المدينة القديم هو أور سالم (أورشاليم)، أطلق عليها قبل دخول العبرانيين، وهو مركب من كلمتين: أور بمعنى إله، وسالم وهو اسم إله السلام الكنعاني (سكان المدينة الأصليون). لكنّ المؤلفات اليهودية قلبت تلك الحقائق ومحتها، لتعيد صياغة حقيقة من الوهم مفادها أن المدينة لم تكن موجودة إلا مع الشعب اليهودي.
تحوّل
من جهتها، تتبعت الدكتورة إيمان عامر عمليات التهويد التي يقوم بها الصهاينة منذ احتلال المدينة في عام 1967، مشيرةً إلى «أن التهويد عملية واضحة المعالم في الذهن الإسرائيلي، يقول هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية: «إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت على قيد الحياة سأزيل كل شيء ليس مقدّساً لدى اليهود فيها».
بدأت خطوات تهويد المدينة الأولى في عام 1948 عندما سيطر الصهاينة على القدس الغربية وأعلنوا أن القدس عاصمة لهم، إلا أن عمليات التهويد تسارعت مع سقوط الجانب الشرقي من المدينة وبقية فلسطين في هزيمة العرب في حرب 1967.
على رغم أن ملكية اليهود في مدينة القدس كانت لا تتعدى 2% قبل الاحتلال الصهيوني، إلا أن عامر رصدت التحوّل الذي حدث وأصبح على أثره معظم أملاك المدينة في أيدي الصهاينة، نتيجة عمليات التهويد التي تمثّلت بإزالة حي المغاربة التاريخي ومصادرة أراضٍ عربية لإقامة حي يهودي في المنطقة الواقعة بين الحي اللاتيني وحائط البراق، إلى جانب هدم المنازل العربية واستبدالها بأخرى إسرائيلية لخلخلة النظام السكاني في المدينة، تغيير أسماء الشوارع والأحياء العربية بأخرى عبرية لطمس معالم التاريخ العربي، فاستُبدل اسم «حي المغاربة» باسم «هروفع هيودي» أي الحي اليهودي، وحي الشيخ جراح، شمال غرب القدس، باسم «رامات أشكول». ناهيك عن أعمال الحفر والتنقيب تحت أساسات المسجد الأقصى للبحث عن الهيكل المزعوم، ما سيؤدي إلى انهيار المسجد الأقصى مستقبلاً.
موقف موحّد
بدوره أشار د. محمد عفيفي، رئيس قسم التاريخ في جامعة القاهرة وأستاذ التاريخ الحديث، إلى الموقف العربي الموحّد بين المسلمين والأقباط في قضية القدس، فالكنيسة القبطية تمنع أي مسيحي مصري من زيارة المدينة المقدّسة طالما هي تحت السيطرة الصهيونية، وأصدر البابا شنودة تعليماته بإطلاق الحرم على كل من يخالف هذا القرار ومنعه من دخول الكنيسة، تأكيداً على حرص الكنيسة المصرية على هويّتها العربية والوطنية.
كذلك، بعد نكسة 1967 أصدر كلٌّ من الشيخ حسن مأمون شيخ الأزهر والبابا كيرلس السادس في 5 يوليو (حزيران) 1967 بياناً مشتركاً جاء فيه: «نرفض رفضاً باتاً بكلمة موحّدة فكرة تدويل القدس لأن هذه المدينة، فوق أنها بلد المقدسات الإسلامية والمسيحية، هي جزء من جسم الدولة العربية...»، ما يؤكّد وحدة الهدف العربي، مسيحياً كان أو إسلامياً، أمام الخطر الصهيوني.