بقلم المحامية دانة فهد الدعيج وبإشراف د. أحمد السمدان
في المبحث الثاني من هذه الدراسة ستتم مناقشة مدى إمكان الطعن في دستورية قانون إنشاء المحكمة الإدارية الذي يخرج مسائل الجنسية من اختصاص المحكمة، وذلك بعد الانتهاء من المبحث الأول الأسبوع الماضي:
كفل الدستور الكويتي للكل حق التقاضي في المحاكم الكويتية وترك للتشريع حق تنظيم هذه الحرية، فقد نص الدستور في المادة 166 منه على أن 'حق التقاضي مكفول للناس، ويبين القانون الإجراءات والأوضاع اللازمة لممارسة هذا الحق'، لكنه من خلال هذا التنظيم التشريعي لا يجوز أن يتطرف المشرع ويحرم الناس من ممارسة حقهم في التقاضي، ولو كان بصورة غير مباشرة، بحيث يجب أن تتم كفالة الحقوق والحريات في حدودها الموضوعية، وبذلك لا تثور فكرة الانحراف، إذ إن مجرد النص على كفالة هذه الحقوق في الدستور، مع تخويل المشرع العادي سلطة تنظيمها لا يعني أن يصل هذا التنظيم إلى حد إهدار أصل هذه الحقوق، فإذا ما تم ذلك، كان الإهدار مخالفا لنص دستوري.
فإصدار المشرع قانون إنشاء الدائرة الإدارية، وحرمانها من نظر مسائل الجنسية دون فتح الطريق أمام دوائر أخرى لنظر مثل هذه المسائل، يكون مصادرة من المشرع لحق الناس في التقاضي، بما يمثل انحرافا في استعمال السلطة التشريعية وحرمان الناس من ممارسة الحقوق المكفولة لهم بموجب الدستور، والذي يشكل في رأيي مخالفة للدستور، وبقي أن أبين كيفية الطعن على دستورية القوانين في الكويت:
أولا: المحكمة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين
لم يعط المشرع الكويتي لكل المحاكم الحق في الرقابة على دستورية القوانين، بل حصر مهمة الرقابة على الدستورية بيد محكمة واحدة وهي المحكمة الدستورية، والتي تم إنشاؤها بموجب القانون رقم 14 لسنة 1973، وحدد مهمتها في المادة الأولى، بحيث تكون هي المختصة دون سواها بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والمراسيم بقوانين واللوائح، ويكون حكمها ملزما للكل وسائر المحاكم، وذلك منعا لتناقض الأحكام في مدى تطابق القوانين مع نصوص الدستور.
ثانيا: الإجراءات الواجب اتباعها للطعن بدستورية تشريع معين
حدد قانون إنشاء المحكمة الدستورية في المادة الرابعة الإجراءات التي ترفع فيها المنازعات إلى المحكمة الدستورية، وذلك يكون بإحدى الطريقتين الآتيتين:
1- بطلب من مجلس الأمة أو من مجلس الوزراء.
2- خلال إحدى المحاكم إذا رأت أثناء نظر قضية من القضايا سواء من تلقاء نفسها أو بناء على دفع جدي تقدم به أحد أطراف النزاع، أن الفصل في الدعوى يتوقف على الفصل في دستورية قانون أو مرسوم بقانون أو لائحة، توقف القضية وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه. وقد بينت لائحة المحكمة الدستورية في الفصل الثالث، المادة الخامسة والسادسة، الإجراءات الواجب اتباعها بشأن المنازعات المتعلقة بالدستورية المحالة من المحاكم، سواء بناء على دفع أحد الخصوم أو بناء على إحالة إحدى المحاكم من تلقاء نفسها. وعليه فإن المشرع الكويتي لم يترك المجال مفتوحا أمام الكل للطعن المباشر أمام المحكمة الدستورية، بل أوكل تلك المهمة لمجلس الوزراء أو مجلس الأمة أو المحاكم، إما من تلقاء نفسها أو بناء على دفع من الخصوم، وبذلك يكون المشرع قد أعطى الحق بصورة غير مباشرة لأي شخص للطعن في دستورية القوانين، وذلك من قبيل تنظيم هذه العملية وضمانا لجديتها. وللدفع بعدم دستورية قانون إنشاء الدائرة الإدارية بسبب استبعاد مسائل الجنسية من اختصاصها، تتم إقامة دعوى أمام الدائرة الإدارية بمسألة من مسائل الجنسية ويدفع فيها بعدم دستورية القانون، فإذا ما رأت المحكمة وقدرت أن الدفع جدي وأن الفصل في المنازعة متوقف على الفصل في دستورية القانون، فإنها توقف القضية، وتحيل الأمر إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه. من ناحية أخرى، فقد أثيرت مشكلة تحصين القرارات الإدارية المشار إليها في البند الخامس من المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية، بصدد القرارات المتعلقة بتراخيص إصدار الصحف والمجلات، حيث تم الدفع بعدم دستورية هذا التحصين أمام الدائرة الإدارية، فقدرت هذه الدائرة جدية الدفع وأمرت بإحالة الدعوى إلى المحكمة الدستورية، تأسيسا على أنه 'لما كان مفاد المادة 166 من الدستور هو التأكيد على حق المواطنين في اللجوء إلى قاضيهم الطبيعي، وعدم إقامة الحواجز أمامهم، التي تحول دون ذلك، فإن النصين المدفوع بعدم دستوريتهما- المادة 17 من قانون المطبوعات والنشر رقم 3/61، في ما تضمنته من اعتبار قرار مجلس الوزراء في التظلم من قرار وزير الإعلام بشأن الترخيص بإصدار الصحف والمجلات نهائيا لا يجوز الطعن عليه، والبند الخامس من المادة الأولى من قانون إنشاء الدائرة الإدارية في ما تضمنته كذلك من تحصين القرارات الصادرة بشأن التراخيص بإصدار الصحف والمجلات- إذ يحظران التقاضي ويحصنان القرارات الواردة بهما من الطعن عليها، يكون جديرا بجديتها، بما تقضي معه المحكمة بوقف الدعوى وبإحالتها إلى المحكمة الدستورية للفصل في الدفعين المشار إليهما'. بيد أن المحكمة الدستورية قضت مرتين على التوالي بعدم قبول الدعوى لأسباب شكلية، ومن ثم لم تتعرض لموضوع الدعوى، ومع ذلك ورد في حيثيات حكمها ما يشير إلى رفض الربط بين هذه القرارات المحصنة وفكرة أعمال السيادة، حيث قضت بأن 'المشرع قد أجاز الطعن القضائي على القرارات الإدارية بمقتضى البند الخامس من المادة الأولى، والمادة الخامسة من قانون إنشاء الدائرة الإدارية، بما يصبح معه القرار الإداري- ما عدا بعض الاستثناءات- خاضعا للرقابة القضائية، بعد أن كان محصنا من الطعن عليه بالإلغاء أمام المحاكم... وعلى هذا الأساس يكون الطعن على قرار مجلس الوزراء المشار إليه جائزا أمام الدائرة الإدارية في ما يتعلق بتراخيص الصحف والمجلات، ولا يحول دونه إلا الحظر الوارد في البند الخامس من المادة الأولى من القانون رقم 20/81 وتعديله، ولما كان ذلك وكان القرار المذكور لم يصدر بحق الطاعن، وإذا صدر فلن يؤثر في حق الطاعن في الطعن عليه أمام محكمة الموضوع، إن زال حكم المنع الوارد في قانون إنشاء الدائرة الإدارية...'.كانت تلك حالة للطعن على دستورية قانون إنشاء الدائرة الإدارية استنادا إلى البند الخامس من المادة الأولى منه، والذي حصن بعض القرارات الإدارية (والتي منها القرارات الصادرة في مسائل الجنسية)، وقد قدرت المحكمة جدية الدفع، وأحالت الدعوى إلى المحكمة الدستورية للفصل فيها، والمحكمة الدستورية قررت أن تلك القرارات المحصنة تعتبر قرارات إدارية ولم تعتبرها أعمالا سيادية، وأنه لا يحول دون الطعن عليها إلا المنع التشريعي، وإن قضت المحكمة بعدم قبول الدفع لأسباب شكلية، فإن هذا الحكم- وإن جاء في قرارات أخرى غير مسائل الجنسية- لكنه يعطي بارقة أمل، بإمكان الطعن على قانون إنشاء المحكمة الإدارية، بسبب منع نظر مسائل الجنسية، وأن تلك الأخيرة تعتبر قرارات إدارية وليست أعمالا سيادية.
الخاتمة
إن ضمان مصالح الأفراد يتطلب الحد من حرية الدولة وتقييدها ببعض المبادئ الأساسية التي تتطلبها مصلحة الأفراد، وهذا ما أعلنته اتفاقية لاهاي في سنة 1930، حيث أعلنت في ديباجتها 'أن المصلحة العامة للجماعة الدولية أن تعمل على أن يقر سائر أعضائها وجوب أن تثبت لكل فرد جنسية، وألا تكون له إلا جنسية واحدة'، وفي هذا المعنى جاءت المادة الخامسة عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1948، فقد جاء فيها ما يلي: 'حق الفرد في التمتع بجنسية ما، ولا يجوز حرمانه منها أو تغييرها أو تجريده منها بطريقة تحكمية'. وإن كانت تلك النصوص غير إلزامية فإن لها مكانة دولية وقوة أدبية يتعين احترامها والالتزام بها. ومن ثم فإن تنظيم الدولة لأحكام جنسيتها أمر مطلوب ولا يمكن التنازل عنه، ولكن يجب ألا تحرم الناس من مناقشتها في هذه الأحكام، ولا تكون المناقشة إلا من خلال جهة محايدة، وهي السلطة القضائية، بحيث تكون الكلمة الأخيرة متروكة للقضاء في مسائل الجنسية، فليس من السليم منع القضاء من مناقشة تلك المسائل على أساس اعتبارها من أعمال السيادة، فذلك ينم عن سلطة تحكمية غير مقبولة في الدول الديمقراطية.
وإنني أؤكد حق كل فرد في اللجوء إلى القضاء.