على الرغم من حالة عدم اليقين التي تخيم على أسواق الطاقة العالمية اليوم، فقد بات أمر واحد واضحا: الآن تعيد الحكومات التأكيد من جديد على دورها المركزي، والدافع وراء هذا التحرك براغماتي لا إيديولوجي، وتتباين التفاصيل من بلد إلى آخر، لكن الاتجاه شديد الوضوح، فالواقع أن الحكومات من مختلف المشارب السياسية تستعيد الآن سيطرتها على السوق التي كانت إلى حد كبير متروكة للشركات الخاصة مع قدر محدود من الضوابط التنظيمية، وفي العديد من الاقتصادات الغربية، بوسعنا أن نقول إن هذا يمثل التحول الأكبر في ميزان القوة الاقتصادية بين القطاعين العام والخاص منذ الحرب العالمية الثانية.

ينبع هذا الإصرار الجديد من جانب الدولة جزئيا من الزيادات الهائلة في الأسعار والتي تهدد بجلب فقر الطاقة على نطاق واسع وانهيار بعض الشركات الكثيفة الاستهلاك للطاقة، فبعد سنوات من نقص الاستثمار في هذا القطاع، كان من المحتم أن يؤدي ارتفاع الطلب على الطاقة في أعقاب جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد19)، وخصوصا في آسيا، إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، فقد ارتفعت تكلفة الغاز الطبيعي التي يتحملها المستهلكون في الاتحاد الأوروبي بنحو 12% في النصف الثاني من عام 2021.

Ad

لكن هذا كان مجرد مقدمة لارتفاعات الأسعار الحالية الناجمة عن غزو روسيا لأوكرانيا، وتسببت خطة الاتحاد الأوروبي لخفض وارداته من الغاز الطبيعي الروسي بمقدار الثلثين بحلول عام 2023، إلى جانب قرار روسيا بخفض إمداداتها إلى بلدان من بينها ألمانيا وفنلندا، في زيادة السعر القياسي الأوروبي خمسة أضعاف على مدار 12 شهرا حتى يونيو من هذا العام، ووفقا لأحد التقديرات، كان من المتوقع أن يرتفع متوسط فواتير الطاقة للمستهلكين في بريطانيا- التي تستورد القليل من الغاز الروسي لكنها تعتمد على السوق العالمية للحصول على 50% من احتياجاتها اليومية- إلى أربعة أمثال المستوى الذي كان عليه في عام 2021 بحلول أوائل العام المقبل.

العامل الثاني القوي الذي يجبر الحكومات على التدخل هو تغير المناخ، فقد قاد الفحم، الذي لا يزال المصدر المهيمن للطاقة في آسيا، الزيادة في الطلب على الطاقة على مدار العام الأخير، مما تسبب في عودة الانبعاثات إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الجائحة، وعلى الرغم من النمو القوي الذي سجلته مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فإن استمرار العالم في الاعتماد على الهيدروكربونات يعني أنه في غياب المزيد من التدخلات الحكومية ستستمر الانبعاثات في الازدياد لعدة سنوات قادمة.

من غير الممكن التصدي لأي من هذا التحديات من خلال قوى السوق وحدها، ففي غياب سعر للكربون، أو غير ذلك من التدابير التنظيمية التي لا يمكن فرضها إلا عن طريق الحكومات، سيستمر الناس في استخدام السيارات التي تعمل بإحراق البنزين، ولا تستطيع قوى السوق أن تفعل الكثير لمساعدة الأسر التي تواجه ارتفاعا مفاجئا في تكلفة أي سلعة أساسية، كما لا تستطيع الأسواق إعادة توزيع المكاسب غير المتوقعة التي حققتها شركات مثل أرامكو السعودية، التي سجلت أرباحا غير مسبوقة بلغت 48.4 مليار دولار في الربع الثاني من هذا العام، على العديد من الشركات الأصغر حجما التي تشكل الطاقة أحد مدخلاتها الشديدة الأهمية.

يتخذ تدخل الدولة في سوق الطاقة أشكالا عديدة ومتنوعة، فقد أعلنت الحكومة الألمانية خططا لاستخدام 2% من أراضي البلاد لإنتاج طاقة الرياح، وهي تبتكر مخططات تقنين طارئة لإدارة النقص المتوقع في الطاقة أثناء الشتاء بعد قطع روسيا إمدادات الغاز، فقد تلقت جميع الأسر البريطانية في مستهل الأمر منحة قدرها 400 جنيه إسترليني (450 دولارا أميركيا)، لمساعدتها على التعامل مع ارتفاع فواتير الطاقة، وكانت هذه المنحة ممولة جزئيا من خلال ضريبة على الأرباح غير المتوقعة التي حققها منتجو النفط والغاز، لكن تبين أن هذا غير كاف، وبعد أن أصبحت ليز تـرَس رئيسة وزراء بريطانيا الجديدة، قررت تحديد سقف لفواتير الطاقة المنزلية لمدة عامين وقدمت الدعم في الأمد القريب للشركات، وفي محاولة لزيادة إمدادات الطاقة المحلية، منحت تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال ورفعت الحظر المؤقت المفروض على الاستخراج بطريقة التكسير الهيدروليكي، وتظل أجندة المملكة المتحدة الخضراء قائمة اسميا في ظل القرار بعدم إصدار تراخيص للسيارات الجديدة التي تعمل بالبنزين أو الديزل اعتبارا من عام 2030، ولكن في الوقت الحالي، يركز التدخل الحكومي على ضوابط الأسعار وزيادة الإنتاج من الهيدروكربونات.

عبر المحيط الأطلسي، يوفر قانون خفض التضخم الذي أصدره الرئيس الأميركي جو بايدن مؤخرا 27 مليار دولار لمساعدة الأسر الأميركية المنخفضة والمتوسطة الدخل على التحول إلى طاقة أنظف، فضلا عن تقديم التمويل للحفاظ على بقاء قطاع الطاقة النووية الخاسر، وفي فرنسا يدرس الرئيس إيمانويل ماكرون قرار التأميم الكامل لمرفق الطاقة «كهرباء فرنسا»، الشركة الرائدة السابقة للقوة الصناعية الفرنسية والتي عانت من عقدين الفشل الإداري والفني، كما جرى تشديد ضوابط أسعار الطاقة هناك وفي قسم كبير من أوروبا القارية.

من المؤسف أن هذه والعديد من المبادرات الحكومية الأخيرة لا تعدو كونها استجابات جزئية للتحديات الجوهرية المتمثلة بانعدام أمن الطاقة وتغير المناخ، إذ إن عددا كبيرا من التدابير لم تخضع لدراسة وافية، والقيمة التي تعود بها مقابل المال هزيلة، هذا فضلا عن فشلها في معالجة العقبات الأساسية التي تحول دون التغيير.

على سبيل المثال، لن يكون التحول الكبير إلى السيارات الكهربائية منطقيا إلا إذا توافرت شبكات الشحن والإمدادات الآمنة من المواد المتقدمة التي تعتمد عليها المركبات الكهربائية، ومن الواضح أن المنح النقدية الشاملة الصغيرة مكلفة ولا تعالج فقر الطاقة المركز في الأمد البعيد، وتصبح سياسات زيادة توليد طاقة الرياح غير مجدية ما لم تتوافر البنية الأساسية اللازمة للتعامل مع إمدادات الكهرباء الموزعة.

تسعى الحكومات إلى إيجاد حلول قصيرة الأجل لتثبت أنها غير متقاعسة عن العمل، لكن السياسات الناتجة عن ذلك ليست دائما الأرخص أو الأكثر فعالية، وكثير منها يتبين أنها كانت مجرد إصلاحات مؤقتة، ولا يوجد في أي من البلدان المذكورة أعلاه أي إجماع مستقر على شكل بعينه لسياسة الطاقة الطويلة الأجل.

مع ذلك، يظل الاتجاه نحو زيادة التدخل الحكومي في قطاع الطاقة راسخا، ومع الكشف عن القيود التي تفرضها سياسات بعينها، سيستجيب صناع السياسات بزيادة تدخلاتهم لا تقليصها، وسيكون من الضروري توسيع الدور الذي تضطلع به الدولة بدرجة أكبر، وبوجه خاص لمعالجة فجوة الاستثمار التي نشأت، كما يتطلب الأمر توفير أموال إضافية لتلبية الطلب في المستقبل على مختلف أشكال الطاقة وما يرتبط بها من بنية أساسية، وسيستلزم الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون مبالغ طائلة من المال.

من المرجح أن تكون الحكومات المصدر الرئيس لتوفير رأس المال اللازم، فضلا عن تقديم الضمانات وإعانات الدعم للقطاع الخاص، لكن ليس من المؤكد على الإطلاق ما إذا كانت الحكومات، التي يعاني كثير منها بالفعل نقصا في الموارد المالية بسبب جائحة كوفيد19، لتستجيب بالشكل اللائق، في المملكة المتحدة، وَعَـد حزب العمال المعارض، المتقدم الآن كثيرا في استطلاعات الرأي، بإنشاء شركة جديدة ذات ملكية عامة تحت مسمى شركة بريطانيا العظمى للطاقة لتسليم قطاع كهرباء خال من الكربون بحلول عام 2030.

لا شيء من هذا يشكل وصفة لتحقيق نتيجة مثالية، فالواقع أن مهمة ضمان إمداد مستمر من الطاقة وبأسعار معقولة مهمة أكثر جسامة من أن تترك للسوق وأشد تعقيدا من أن يتمكن الوزراء والبيروقراطيون من توليها، ولا شك أن مشاركة الجانبين ضرورية، لكن أيا منهما لا يكفي وحده.

يشير المنطق السليم إلى ترتيبات تعاونية تحدد بموجبها الحكومات أهداف الطاقة ومعاييرها، وتتنافس شركات القطاع الخاص للاضطلاع بدور في تلبية الأهداف العامة، لكن تحقيق مثل هذا التعاون والتوازن يبدو في الوقت الحالي مجرد طموح بعيد المنال.

* نِـك بتلر أستاذ زائر في كنجز كوليدج لندن، وهو الرئيس المؤسس لمعهد السياسات في كنجز كوليدج لندن، ورئيس «شركاء بروموس».