كان الغزو الروسي لأوكرانيا مفاجئاً لأوروبا، وتوقعت أجهزة الاستخبارات الأميركية هذا الهجوم الروسي بدقة، لكن لم يتعامل عدد كبير من القادة الأوروبيين بجدّية مع تحذيراتها، ففضلوا إقناع أنفسهم بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيستعمل وسائل غير عسكرية لزعزعة استقرار أوكرانيا، فكان المستشار الألماني الجديد، أولاف شولتس، من بين القادة الأوروبيين الذين تورطوا في هذه الأزمة على مضض، وعلى غرار معظم شرائح المجتمع الألماني، لم تكن إدارته مستعدة بالكامل للتعامل مع حرب كبرى في أوروبا، فقد تمسكت الحكومة الألمانية لوقتٍ طويل بأفكار قديمة، كأن يضمن توثيق العلاقات مع روسيا في قطاع الطاقة الاستقرار، وأن تنتج التجارة تغيرات سياسية، وأن يحمل الحوار مع موسكو أهمية كبرى، ولهذا السبب، كان الاصطدام بالواقع وحشياً، وبين ليلة وضحاها، انهارت هذه الفرضيات المحبّذة دفعةً واحدة.

لكن أنتجت صدمة الحرب الروسية تحولاً مبهراً في السياسات الخارجية والأمنية الألمانية، فبعد أيام على بدء الغزو، خفّضت حكومة شولتس واردات الطاقة من روسيا، وبدأت تسلّم الأسلحة إلى أوكرانيا، وأعلنت تخصيص ميزانية بقيمة مئة مليار يورو للاستثمار في الدفاع، كذلك انضمّت ألمانيا، مع دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، إلى الولايات المتحدة لفرض مجموعة غير مسبوقة من العقوبات على موسكو، وكانت رسالة برلين واضحة: تحتاج ألمانيا إلى القوة الصلبة للحفاظ على أمن أوروبا.

Ad

سمح هذا التحول المفاجئ في مواقف برلين بتقوية التحالف العابر للأطلسي، فتجدّد التقارب بين ألمانيا والولايات المتحدة أكثر مما كان عليه في السنوات الأخيرة، وبعد الاضطرابات التي رافقت عهد دونالد ترامب، رحّبت ألمانيا بعودة الولايات المتحدة إلى دورها كمدافعة قوية عن أمن أوروبا والنظام الدولي المبني على قواعد محددة. في الوقت نفسه، دفعت الحرب في أوكرانيا ألمانيا إلى إدراك مخاطر الاتكال على الولايات المتحدة لحفظ الأمن حين تُركّز واشنطن على المنافسة مع الصين وتغرق في شكوكها الديمقراطية الخاصة.

لا تزال ألمانيا تعتبر الولايات المتحدة حبل نجاة لا غنى عنه، لكن يشعر المسؤولون الألمان بقلق شديد من احتمال أن يعود ترامب أو أي مرشّح «ترامبي» آخر إلى البيت الأبيض، وفي هذا السياق، أعلن نوربرت روتغن، نائب ألماني كان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ، أن أكبر تهديد على أمن أوروبا (وألمانيا) يتعلق بهشاشة الديموقراطية الأميركية، ومنعاً لتدهور العلاقات بين البلدين إذا تسلم اليمينيون المتطرفون الرئاسة الأميركية مستقبلاً، يجب أن تقوي ألمانيا والولايات المتحدة تحالفهما العابر للأطلسي بشكلٍ عاجل، مما يعني تعميق الروابط الأمنية والتجارية، تزامناً مع تصميم مقاربة مشتركة للتعامل مع التحديات التي تطرحها الصين ومع ملف التغير المناخي، وفي حقبةٍ تتصاعد فيها الاضطرابات الجيوسياسية، وحدها الروابط المتينة عبر الأطلسي تستطيع أن تضمن الأمن في أوروبا.

ينجم جزء من مخاوف ألمانيا اليوم عن قلق عام على وضع الديموقراطية الهش حول العالم، فإذا عجز الرئيس الأميركي المقبل عن التصرف كمدافع عن الديموقراطية وزعيم للدول الليبرالية، فقد يتغير ميزان القوى بين الديموقراطيات الضعيفة والأنظمة الاستبدادية التي تزداد قوة، فترجح الكفّة لمصلحة المعسكر الثاني، ويطرح هذا الوضع خطراً كبيراً على أوروبا، لأن القوى اليمينية المؤثرة وغير الليبرالية تتعاطف مع الأنظمة الاستبدادية وبدأت تفرض سيطرتها في فرنسا، والمجر، وإيطاليا، وبولندا، والسويد، وتركيا، وقد تكسب هذه الحركات زخماً متزايداً إذا خضعت الولايات المتحدة مجدداً لنظام «ترامبي»، مما يعني على الأرجح زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي.

كذلك، يشعر الألمان بالقلق من التداعيات الأمنية المحتملة إذا انتُخِب رئيس آخر من داعمي شعار «أميركا أولاً». كشف الانسحاب الأميركي المتسرع من أفغانستان حجم اتكال الحلفاء الأوروبيين على الدعم العسكري الأميركي: من دون القوات الأميركية، لم يكن استمرار وجودهم هناك ممكناً. قد يكون الوضع الأمني في أوروبا مختلفاً، لكن يدرك الألمان، وسكان شرق أوروبا تحديداً، أنهم يعجزون عن ضمان أمنهم من دون الولايات المتحدة، فلا يحبذ الأوروبيون تركيز واشنطن المتزايد على بكين، فهم يعرفون أن انتقال الولايات المتحدة إلى محور آسيا سيجبر أوروبا على تحمّل مسؤوليات عسكرية إضافية لاحتواء روسيا، ولا تزال مواقف ترامب التي تشكك في قيمة حلف الناتو أو تستخف به عالقة في ذاكرة أوروبا حتى الآن، ويتذكر الأوروبيون أيضاً عدائية ترامب تجاه الاتحاد الأوروبي الذي اعتبره في إحدى المناسبات «أسوأ من الصين».

تنشغل ألمانيا راهناً بإدارة تداعيات سياستها الفاشلة تجاه روسيا. بدأت أسعار الطاقة تُحلّق، مما يؤدي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي وزيادة المخاوف من انهيار الدعم الشعبي لاستمرار المساعدات الألمانية إلى الجيش الأوكراني مع اقتراب الشتاء (تبلغ نسبة مؤيدي هذه المقاربة 70% في الوقت الراهن، لكنها بدأت تتراجع). تبرز الحاجة إذاً إلى بصيرة استراتيجية عميقة في هذه الظروف، ويجب أن تستبق ألمانيا أي اضطرابات محتملة في الولايات المتحدة بعد الانتخابات الرئاسية عام 2024، وتضع الخطط اللازمة للتعامل معها، ومن خلال التعاون مع الاتحاد الأوروبي، يجب أن تقوي برلين التحالف العابر للأطلسي منعاً لتفكيكه، حتى لو نشأت إدارة أميركية مشابهة لعهد ترامب.

لكن يجب أن يصبّ التركيز على تجديد السياسة الأمنية الأوروبية على المدى القصي، فقد اتخذت ألمانيا خطوة بالغة الأهمية حين قررت أن تزيد إنفاقها على الدفاع في الفترة الأخيرة، لكن لن تكون زيادة تمويل الحكومة للأمن القومي كافية، فلا يزال سوق الدفاع الأوروبي مفككاً جداً. يستعمل 27 بلداً من الاتحاد الأوروبي أكثر من 170 نوعاً من أنظمة التسلح الأساسية، ويشتريها كل بلد من مصنّعي أسلحة مختلفين، ولا تزال جهود تنسيق القدرات الدفاعية وابتكار أنظمة دفاع جديدة ومشتركة مستمرة، لكن تبرز الحاجة إلى تكثيفها.

بدل «الاستقلالية الاستراتيجية» التي يطبّقها حلف الناتو ولطالما دافع عنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يُفترض أن يتمحور الهدف الأساسي حول تقوية ركيزة التحالف الأوروبي، وفي الوقت نفسه، يجب أن يطبّق الاتحاد الأوروبي سياسة خارجية أكثر قوة، ولتحقيق هذه الغاية، يجب أن يتخلى عن مبدأ الإجماع الذي يستعمله راهناً لتحديد سياساته الخارجية والأمنية. يمكن تحسين الوضع بدرجة لافتة عندما تتخذ «أغلبية مؤهلة» القرارات الكبرى (أي 55% من البلدان التي تمثّل 65% من سكان الاتحاد الأوروبي على الأقل)، كما يفعل الاتحاد في مجالات سياسية أخرى. تمنع هذه المقاربة بلداناً فردية من الاعتراض على الاقتراحات المرتبطة بعقوبات الاتحاد الأوروبي مثلاً. لكن قد يتطلب إقناع دول الاتحاد الصغيرة والمتوسطة بالتخلي عن مبدأ الإجماع تسوية براغماتية وتدريجية.

على صعيد آخر، يجب أن يستكشف الاتحاد الأوروبي جميع احتمالات التعاون التجاري مع الولايات المتحدة. كان إنشاء مجلس التجارة والتكنولوجيا المشترك بين واشنطن والاتحاد في العام 2021 بداية إيجابية، لكن طموحاته تقتصر على التشاور والتنسيق بين مختلف الأطراف. يمكن إحداث فرق هائل عبر إبرام اتفاق تجارة حرّة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إذ يستطيع هذا النوع من الاتفاقيات أن يقوي موقف الشريكَين تجاه الصين. لكن تتراجع الإرادة السياسية لعقد هذا الاتفاق للأسف، نظراً إلى توسّع النزعات الحمائية على طرفَي الأطلسي. مع ذلك، يجب أن يحاول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إبرام اتفاقيات أصغر حجماً لتقوية الروابط الاقتصادية العابرة للأطلسي، من خلال إلغاء جميع الرسوم الجمركية على السلع الصناعية مثلاً، كذلك، يُفترض أن يوسّع الاتحاد شبكة اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية ومتعددة الأطراف، ما يسمح بزيادة ثقل النظام الاقتصادي العالمي.

أخيراً، يجب أن يعطي الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة طابعاً رسمياً للقواسم المشتركة في سياستهما البيئية والمناخية، مما يعني تحويل تلك النقاط إلى اتفاق تعاون يمكن إقراره خلال القمة المقبلة بين الطرفين، ويسمح هذا النوع من الاتفاقيات بحماية التقدم الذي أحرزه الأميركيون في ملف المناخ وسياسة الطاقة خلال عهد جو بايدن، مما يُصعّب على أي إدارة أميركية مستقبلية أن تعكس مساره.

بعد عودة روسيا إلى الإمبريالية المحض بكل وضوح، يبقى التحالف العابر للأطلسي ركيزة أساسية لأمن ألمانيا وازدهارها الاقتصادي. لكن في ظل استمرار ظاهرة «الترامبية» في الولايات المتحدة حتى الآن وتوسّع النزعة الشعبوية اليمينية في أجزاء متعددة من أوروبا، من المتوقع أن يواجه هذا التحالف اختبارات شاقة خلال السنوات المقبلة. لضمان صموده في جميع الظروف، يجب أن يبذل الاتحاد الأوروبي قصارى جهده لتقوية علاقته مع الولايات المتحدة، بدءاً من المرحلة الراهنة ووصولاً إلى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، لكن هذا الهدف يتطلب توسيع دور ألمانيا القيادي، ومن الأفضل أن يتحقق ذلك بالتعاون مع فرنسا، ومن المبرر أن تقلق برلين من الأزمة التي تضرب عمق أوروبا اليوم، لكنها لا تستطيع أن تتحمّل كلفة الانتظار ومراقبة مسار الأحداث في الولايات المتحدة حتى العام 2024.

* بيتر ويتيغ

Foreign Affairs