قرأنا في كتب التراجم والتراث، وهي تُعرف بكبار العلماء والأساتذة، أسماء من تتلمذ عليهم هذا العالم أو ذاك الأستاذ، وكان ذكر أساتذة أي عالم في العديد من التخصصات، جزءا أساسيا من سيرته العلمية، وتعريفا مهما لمن تتلمذ على أيديهم، وليأتي بعدها ذكر تلامذته.

نفتقد في جامعاتنا العربية، التي تعرض علينا أسماء أساتذتها في شتى حقول المعرفة، هذا الأسلوب المتميز بدقة التعريف بهم من خلال التعريف بأساتذتهم، فنادرا ما يتم السؤال عن أساتذة العالم أو الباحث الذين واكبوه، وكانوا معه خلال سنوات دراسته، ولا يتم الاستفسار عن اسم الأستاذ المشرف على رسالة الماجستير وأطروحة الدكتوراه، بل يغلب الاستفسار عن اسم الجامعة التي تم الحصول على شهادتها العلمية، وأحيانا اسم الرسالة أو الأطروحة التي حضرها! وإن كان للجامعة قيمتها ومركزها في تقييم الشهادة الجامعية، ولكن يبقى للأستاذ المشرف مكانته وقيمته العلمية ودوره المهم جدا في توجيه الطالب ومساعدته والأخذ بيده في بحوثه ودراسته، وحتى في تحديد معالم مستقبله.

Ad

وتكاد تكون قد تلاشت العلاقة المتميزة التي طبعت علاقة العالم بأساتذته وطلابه لاحقا في جامعتنا العربية اليوم، وحتى في أغلب الجامعات الغربية، ولو أن معالمها وأشكالها ونتائجها لا تزال ماثلة في العديد من هذه الجامعات، وبشكل أفضل وأبعد مدى من حال جامعاتنا العربية. ويأتي بعد ذلك موضوع الوفاء للأستاذ والإخلاص له، ودوام التواصل معه، والسير على دربه العلمي بشكل أو بآخر، ونقول هنا إن هذه الجوانب والأخلاقيات تكاد تكون قد اختفت إلا في القليل جدا من الحالات، وبخاصة بعد أن يتخرج الطالب ويحصل على شهادته ويدخل الحياة المهنية، ويصبح بعيدا عن الجامعة، وربما يعمل في مجالات لا علاقة لها باختصاصه الذي عمل عليه واجتهد فيه سنوات في الجامعة.

وكم هم قلة أولئك الذين اتبعوا نهج أساتذتهم في البحث والتأليف والنشر، بل تفوق من هذه القلة بعض الطلبة الذين فاقوا أساتذتهم وسبقوهم وكانوا فخراً لأساتذتهم وللجامعات التي تخرجوا فيها، ناهيك عن أولئك الذين أخلصوا لأساتذتهم فكتبوا عنهم وألفوا عن سيرتهم، ولعل القارئ اطلع على كتاب محمد سعيد عريان وكتابه (حياة الرافعي)، ويقصد به مصطفى صادق الرافعي، ونجيب محفوظ وكتابه (أساتذتي).

وآخر ما قرأته هو مقالان عن كتاب حرره (تيمثي برنن) أحد طلاب البروفيسور والمفكر الفلسطيني الراحل (إدوارد سعيد)، ونُشر عام 2021، وصدرت ترجمة عربية لهذا الكتاب بعنوان: إدوار سعيد- أماكن الفكر، مارس 2022، ترجمة محمد عصفور، ضمن سلسلة (عالم المعرفة) العريقة والمتميزة التي تصدر في الكويت، وتحدث التلميذ عن أستاذه، بكل انضباط وحياد، وكما جاء في إحدى المقالتين، بل كتب التلميذ عن السيرة الفكرية لسعيد، على حد قول كاتب إحدى المقالتين، أكثر من كتابة سيرة حياة هذا المفكر الفلسطيني والتي سبق أن تناولها هو في كتابه (خارج المكان). ثم يأتي أخيرا العرفان والتقدير للأستاذ وقد وصل إلى مرحلة التقاعد، وغادر جامعته، ونجد هنا تقليدا رائعا في بعض الجامعات العربية والعديد من الجامعات الأوروبية، وبخاصة الفرنسية حيث يقوم زملاء الأستاذ الذي يتقاعد وطلابه بتحضير مؤلف جماعي على شرفه، يضم دراسات عديدة ومتنوعة يربط بينها الموضوع أو المواضيع التي تخصص فيها هذا الأستاذ طوال عقود للتدريس والبحث والتأليف والنشر، وكان لي شرف الكتابة في بعض هذه المؤلفات الجامعية لتكريم أساتذة زملاء من تونس، وإيطاليا، وفرنسا، وتبقى عموما عامرة المكتبات الجامعية الفرنسية بهذا النوع من المؤلفات التي يتم فيها تكريم الأستاذ المتقاعد بشكل أو بآخر، بل إن هذا التقليد الجميل خص أيضا بعض المتقاعدين من قضاة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبورغ بفرنسا، حيث يتعاون بعض القضاة وبعض الأساتذة لإخراج كتاب جماعي يذكّر بنشاطات هذا القاضي، وبما شارك وأثرى به من اجتهادات وآراء تتعلق بالقضايا التي عرضت على هذه المحكمة الأوروبية، وكم يفرح الطلبة بمثل هذه الكتب الجماعية التي تساعدهم في بحوثهم ودراساتهم وتوسع آفاق معارفهم إضافة للمقررات المطلوبة منهم.

أردنا أن نتحدث عن الأستاذ والمعلم بمناسبة الاحتفال في الخامس من شهر أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للمعلم، وقد صادف الأسبوع الفائت، تقديرا للدور المهم والحساس الذي يضطلع به المعلم على كل المستويات والمراحل التعليمية.

ولا أجمل من أن نختم هذه المقالة بمطلع قصيدة من ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي والتي يقول فيها:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا

كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا.

د. محمد أمين الميداني