كشف تقرير متابعة الخطة السنوية للربع الأول من السنة المالية 2022 - 2023، المعروفة بـ «خطة التنمية»، قصوراً حتى في تنفيذ الفهم الخاطئ لمفهوم التنمية بمعناه الذي يُحدث تحولاً جوهرياً في اقتصاديات أي دولة، ويضعها على طريق التحديث والتطور ومعالجة الاختلالات.

فخطة التنمية، التي تُشرف على متابعتها الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، لم تقتصر اختلالاتها على ابتعادها عن معالجة، مثلاً، أزمات التعليم العام والعالي في الكويت، الذي بات سقف تطلعاته إعادة افتتاح المدارس والجامعات دون النظر إلى فحوى المناهج وجودتها، أو محدودية القطاع الخاص أو اتكاليته على القطاع العام بنسب تناهز 90 في المئة، أو انحراف سياسات سوق العمل عن احتياجات الدولة، بما يزيد الضغط على التوظيف الحكومي، أو الخلل الجسيم في التركيبة السكانية، بكل التداعيات السلبية على جودة الحياة وتكلفة الخدمات في البلاد، أو حتى التطرق إلى مسائل الأمن الغذائي والدوائي في البلاد، بل امتد القصور فيها إلى الإخفاق اللافت في تنفيذ مشاريع البنية التحتية التي تشكِّل معظم اهتمامات الخطة.

Ad

خطأ منهجي

فمشاريع البنية التحتية المرصودة في خطة التنمية لسنتها الـ 13 جسَّدت حالة مستمرة منذ سنوات من تأخير المشاريع في البلاد، إذ من بين 129 مشروعاً أُنجز مشروع واحد، في حين وضعت 3 مشاريع أخرى في مرحلة التسليم، مقابل 125 مشروعاً بنسبة 97 في المئة ما بين المراحل «التنفيذية، أو التحضيرية، أو لم تبدأ بعد»، بل إن نسبة إنجاز المشاريع ذات الجدوى، كبناء منطقة اقتصادية دولية أو تعزيز وجود قطاع خاص ديناميكي أو تشييد بنية تحتية متماسكة، كانت 2.5 في المئة فقط منها.

وما دام الحديث عن نسب الإنجاز، فمن المفيد الإشارة إلى خطأ منهجي تتبعه «أمانة التخطيط»، وهو احتساب نسب الإنجاز من خلال ما تم إنفاقه مالياً على أي خطة أو مشروع، وليس من خلال مدى تحقيق الأهداف، خصوصاً إذا كان المشروع مرتبطاً بجانب تنموي أو توعوي، ولو على صعيد محدود، كتطوير أنظمة السلامة المرورية، أو رخصة المعلم، أو تطوير الإدارة الضريبية، أو استراتيجية الكويت لتطوير النزاهة، فمثل هذه المشاريع لا يمكن قياس الإنجاز فيها بما يُنفَق عليها من أموال، بل بما تحقق من أهداف ومُنجزات، وهنا نحن أمام انحراف عميق في اختيار مشاريع الخطة، وكيفية قياس إنجازها!

ثالث فشل

وهذه ثالث خطة تنمية منذ عام 2009، حيث أعلنت الحكومة رسمياً، على لسان وزير المالية آنذاك الشيخ سالم الصباح، فشل الخطة الأولى التي كانت ضخمة، وتستهدف تحويل الكويت إلى ما كان يُعرف بمركز تجاري ومالي، فيما أعلنت وزيرة التنمية، وقتئذ، هند الصبيح، تقليص أهداف الخطة الثانية، بحيث تركز على المشاريع الإنشائية وتطوير القطاع العام.

أما الخطة الثالثة، فحسب تصريح وزيرة التنمية، آنذاك، مريم العقيل، فتهدف إلى التحول الرقمي في أجهزة الدولة، أي رفع مستوى التكنولوجيا في القطاع العام، إلى جانب تغيير دور الدولة في الخدمات العامة من التشغيل إلى التنظيم، أي الخصخصة، في حين تبيِّن النتائج تعثراً حتى في تحقيق أهداف الخطة رغم محدوديتها، فإنجاز مشاريع الخصخصة في البلاد بلغ 0 في المئة. أما مشاريع التحول الرقمي، فغير موجودة بنتائج الخطة، عدا بوزارة الكهرباء والماء بنسب إنجاز 28 في المئة، ووزارة التجارة بـ 0 في المئة.

عبء على التنمية

ومن دون شرح المزيد من الإخفاقات المتتالية، فإنه لا يمكن التعويل على تحقيق نجاح في خطة تنموية ما لم يتم تلافي إخفاقات سابقاتها، لدرجة باتت فيها المشاريع وأعمال المقاولات أهم من البرامج أو الخطط ذات العائد المستقبلي للبلاد، في ظل تدني مؤشرات القياس المرتبطة بالإنجاز ومحاولة نقد مَواطِن التقصير والإخفاق، ففي الكويت العديد من المناحي ذات البُعد الاقتصادي- التنموي التي لا تتطرَّق لها خطط التنمية، كأسباب فشل الصندوق الوطني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في تحقيق أهدافه، أو مدى استفادة الاقتصاد الكويتي من دخول الشركات الأجنبية تحت مظلة «الاستثمار المباشر»، أو أثر غياب أو تناقض البيانات الإحصائية والتجارية والمالية على أوضاع الاقتصاد والتنمية في البلاد، بل إن جائحة كورونا، بكل ضخامتها ودروسها القاسية المتعلقة بإعادة النظر بسياسات التعليم والصحة والصناعة واستخدام التكنولوجيا، لم تغيِّر سطراً واحداً في الخطة، مما يجعلها منحرفة عن أي فلسفة تنموية تحتاجها البلاد.

إن المتابعة التي يُفترض أن يقدِّمها تقرير «أمانة التخطيط»، هي أن يكون ناقداً لمَواطِن القصور والإخفاق، قادراً على قياس نسب الإنجاز، مقوماً للانحرافات، مستشرفاً للمستقبل، وليس مجرَّد مجمع لبيانات الجهات من دون تمحيص أو نقد، فهذا الدور القاصر يجعل من مؤسسة، كأمانة التخطيط، عبئاً على خطة التنمية لا داعم لها.

محمد البغلي