من الأمور اللافتة للنظر في الحياة العامة بالكويت الاستعداد لتحويل مواضيع عادية، لها سياقاتها القانونية المعتمدة، إلى أزمة، وكأنها تحدث لأول مرة، ليتحول موضوع لا أساس له إلى قضية عامة، يتجادل حولها المتجادلون، لينشغل المجتمع في قضايا محسومة.

حالة الارتباك الشديدة التوغل في التعامل مع الأحداث، صارت جزءاً من عاداتنا وتقاليدنا، حتى لو كان ذلك الحدث مكرراً، نسخة طبق الأصل، كالانتخابات مثلاً، والتي كانت آخرها النسخة التاسعة عشرة. فانتخابات 29 سبتمبر كانت هادئة، قليلة الملوحة، كالماء، تخللتها زخات من التلاسن، بين بعض النواب، ولكنها مضت في طريقها، وانتهت إلى ما انتهت إليه. نتائجها عادية، مع بعض المفاجآت في حدود المعقول، وتم إعلان النتائج واعتمادها.

Ad

في انتخابات 2012، التي كانت حامية الوطيس، ما إن أعلنت النتائج حتى تم تقديم أكثر من 50 طعناً، منها بطلان مرسوم الحل، لعدم قسم الحكومة أمام البرلمان، ومنها الصوت الواحد، ومنها انتفاء الضرورة بإنشاء اللجنة الوطنية للانتخابات، والتي قضت المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات بسببها. وكان في انتخابات سابقة أن تقدم طاعن لنقض الحقوق السياسية للمرأة، ولكن الطاعن من حيث لا يقصد ساهم في تثبيت دستورية حقوق المرأة السياسية. وبالإمكان أيضاً الطعن بشكل فردي بنتيجة بعينها، بسبب أخطاء في الجمع والفرز، كما يتم الطعن غالباً بعدم أهلية ناخبين، بسبب كونهم موقوفين أو عسكريين، أو لاختلاف السكن، أو اعتبارات أخرى، وقد حكمت المحكمة بإعادة انتخابات، بين المتنافسين، وكان أن فاز طاعن حيناً وعاد للفوز فائز، بمعنى أن هناك سوابق أكيدة في هذا الموضوع، فلماذا يجري تضخيمه؟

النظام الانتخابي ومساراته واضحة مبدأ ومنتهى. بمعنى أن المحكمة الدستورية لها اختصاص مطلق. وقد حكمت في كل الاتجاهات، فرفضت طعوناً، وأعادت انتخابات جزئية، وحدث أن فاز الطاعن، كما حدث أن خسر.

وهكذا فإن لدينا نظاماً متكاملاً، معروفاً مسلكه، يستطيع المتضرر أن يلجأ للقضاء، وهي مسألة حدثت مرات ومرات وليست المرة الأولى!

التنبؤ بما سيحدث للطعون سيكون شأن المحكمة الدستورية، التي ستعتمد على الأدلة والبراهين المقدمة من قبل الطاعنين، وأياً كان الحكم الذي سيصدر، أعجبنا أم لم يعجبنا، سنقبله، فبلا مرجعية قضائية تضيع معالم المجتمع، أكثر مما ضيعها السياسيون.

● أ. د. غانم النجار