اعتُبِرت جورجيا ميلوني لفترة طويلة شخصية مثيرة للجدل، محلياً وخارجياً، نظراً إلى انحدار حزبها من الحركة الفاشية الجديدة مباشرةً، لكن من المتوقع أن تصبح الآن رئيسة الحكومة الإيطالية بعدما حصد حزبها أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، تشكلت صورتها كسياسية يمينية مزعجة بسبب آرائها المثيرة للجدل حول الهجرة، وانبهارها السابق بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وموقفها المعادي للمثليين، وانتقادها الصريح للاتحاد الأوروبي. لكن تغيرت ميلوني كثيراً منذ أن اعتبرت الاتحاد الأوروبي «فاسداً في جوهره» عام 2016، وعارضت العقوبات ضد روسيا بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، فهي تعتبر نفسها وحزب «إخوة إيطاليا» الذي تنتمي إليه من معسكر المحافظين، مما يعني أنهم يدعمون تخفيض الضرائب ويفضلون مقاربة محورها الأعمال، لكنها طوّرت في مرحلة معيّنة علاقات قوية في واشنطن، وأصبحت من أشرس داعمي إرسال الدعم العسكري إلى أوكرانيا.

اليوم، أصبح موقف ميلوني من الولايات المتحدة واضحاً وصريحاً، فقد عقدت اتفاقاً جديداً مع «المعهد الجمهوري الدولي الأميركي» لتنظيم مؤتمر كبير حول أفغانستان في روما، وهي منتسبة أيضاً إلى «معهد آسبن»، وشاركت في مؤتمر العمل السياسي للمحافظين هذه السنة، حتى أنها أعلنت أن إيطاليا والولايات المتحدة تتقاسمان «جذوراً مشتركة» وتواصلت مع أهم الصحف الأميركية للدفاع عن مواقفها.

Ad

لكنّ مواقف ميلوني محلياً ترسم صورة أكثر تعقيداً عنها وتطرح السؤال التالي: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تثق بها فعلاً؟

نظراً إلى الروابط الثقافية والتجارية والأمنية بين واشنطن وروما، يجب أن يراقب البيت الأبيض مواقف شريكته الإيطالية عن كثب.

على المستوى الاستراتيجي، تُعتبر إيطاليا شريكة أساسية في تأمين الجناح الجنوبي للناتو في محيط البحر الأبيض المتوسط، حيث تجازف تداعيات الصراعات في شمال إفريقيا بزعزعة استقرار الحلف، كذلك، تضطلع إيطاليا بدور محوري في ليبيا عبر دعم مفاوضات السلام في البلد، حيث نشرت روسيا مرتزقة من «مجموعة فاغنر» لتوسيع نفوذها في المنطقة، وفي الوقت نفسه، تشمل إيطاليا الأسطول السادس التابع للبحرية الأميركية في نابولي، حيث يتمركز أكثر من 33 ألف جندي أميركي.

لكن تتعدد المؤشرات التي تثبت أن ميلوني قد لا تكون شريكة جديرة بالثقة، فقد كشفت مواقفها الحقيقية بعدما اعتبر قرار صادر عن البرلمان الأوروبي المجر «نظاماً هجيناً يقوم على الاستبداد الانتخابي»، فقد انتقدت ميلوني هذا التصويت وأعلنت أن «أوربان فاز في الانتخابات»، مما يعني أن المجر «نظام ديموقراطي».

يطرح دعم ميلوني الصريح لأوربان تساؤلات أخرى حول احتمال تأييدها لموقف المجر الذي يعارض زيادة العقوبات على روسيا، وانتشرت حديثاً صورة لها مع وزير موال لبوتين كان قد أنشأ عام 2016، قنصلية مزيفة لجمهورية دونيتسك الشعبية الانفصالية في «تورين». على صعيد آخر، يحمل سجل «إخوة إيطاليا» مؤشرات تحذيرية واضحة حول احتمال أن يخرّب الحزب وحدة أوروبا، مما ينعكس سلباً على المعركة المشتركة ضد روسيا ومصالح واشنطن، لهذا السبب يجب أن تتبنى إدارة بايدن مقاربة أكثر حذراً في تعاملها مع ميلوني. يُفترض أن يوضح الأميركيون لميلوني أولاً أن التراجع الديموقراطي في إيطاليا قد يسيء إلى الشراكة العابرة للأطلسي، وإذا طبّقت إيطاليا سياسات معادية للديموقراطية محلياً ودعمت القادة شبه المستبدين خارجياً، فلن يكون التعاون مع الولايات المتحدة ضد روسيا كافياً لتحرير العالم وضمان ازدهاره، كذلك، يجب أن تدين واشنطن أي روابط مستمرة بين حزب «إخوة إيطاليا» والحركات الفاشية الجديدة والأفكار الموالية لبوتين، وترفض لقاء أعضاء من الحزب إذا دعموا هذه المبادئ يوماً.

فهذا الموقف الصارم يحمل رسالة واضحة: لن تتحمّل الولايات المتحدة أي جهة أوروبية فاسدة أخرى.

* «أليسا بافيا - المجلس الأطلسي»