عقب إعلان ضم أربع مناطق أوكرانية، وإعلان التعبئة الجزئية، يقول مراقبون، إن خيارات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تضيق، مما سيجعل التهديدات الروسية باللجوء إلى سلاح نووي تكتيكي منخفض القوة، يُرجح إطلاقه على صاروخ إسكندر بالستي قصير المدى، وهو ما دعا إليه، أمس الأول، حليف بوتين الرئيس الشيشاني رمضان قديروف أمراً معقولاً.

لكن خبراء في الأسلحة النووية يقولون، إنه من شبه المؤكد أن تعلم الولايات المتحدة في وقت مبكر ما إذا كانت روسيا تستعد لشن هجوم نووي في أوكرانيا، ويرون أن موسكو قد ترغب بشدة في أن يُعرف تحضيرها لذلك.

Ad

وبينما يقلل المحللون العسكريون من أهمية تهديدات موسكو حالياً، يقول مسؤولون أميركيون، إنهم لم يروا أي نشاط يشير إلى مثل هذه الخطط، في حين ردد بوتين وأكثر من مسؤول في إدارته بأن روسيا لا تخادع عندما تهدد باستخدام السلاح النووي في حال تعرضت وحدة أراضيها للخطر.

أين القنابل؟

يقول الباحث في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح في جنيف بافيل بودفيغ لوكالة فرانس برس، إن التحضير لشنّ أي هجمات سيكون واضحاً. يحدد تقرير صدر عام 2017 عن المعهد 47 موقعاً للتخزين النووي في جميع أنحاء روسيا (12 منشأة على المستوى الوطني و 35 قاعدة). وتراقب هذه المواقع بشكل دائم من الأقمار الاصطناعية الاستخباراتية والعسكرية التابعة للولايات المتحدة ودول أخرى.

3 دول قد تعترف بـ «حدود روسيا الجديدة»
تساءلت صحيفة فزغلياد الروسية، في تقرير عن الدول التي من المحتمل أن تعترف بما اسمته «حدود روسيا الجديدة»، بعد ضم 4 مناطق أوكرانية بطريقة غير قانونية، مجيبة بأن عددها لن يتعدى عدد أصابع اليد الواحدة، لكنها أشارت إلى أن هذا الاعتراف ليس مهماً بالنسبة لموسكو.

وأوضح التقرير أنه من المرجح أن تعترف سورية وكوريا الشمالية وفنزويلا، إضافة الى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وهما جمهوريتان جورجيتان معلنتان من جانب واحد، بـ «الحدود الجديدة»، لكن بقية دول العالم، بما فيها أقرب الحلفاء لروسيا مثل بيلاروسيا، لن تعترف.

وشرح التقرير أن الاعتراف أو عدمه هو مجرد مشكلة قانونية بحتة، مضيفاً أن هناك فارقاً بين الاعتراف باعتباره أمراً قانونياً أو أمراً واقعاً، ويوضح أن أرمينيا خاضت حرباً مرتين من أجل إقليم ناغورني كارباخ مع أذربيجان وانتصرت مرة واحدة، لكنها لم تعترف باستقلال كاراباخ لا في ذلك الوقت ولا الآن، وتضيف أن الولايات المتحدة تهدد الصين بالتدخل العسكري في حالة التعدي على تايوان، لكنها تعترف بتايوان كجزء من جمهورية الصين الشعبية. ولفت إلى أن موسكو ستظل هادئة تجاه حلفائها إذا لم يقدموا أي اعتراف رسمي بـ «حدودها الجديدة»، لكن من المهم لها أن يتم الاعتراف بهذه المناطق بحكم الأمر الواقع، أي أنه لا تصل إليها أي قوات أجنبية.

ويمكن مراقبتها من كثب أكثر من خلال أقمار اصطناعية تجارية، مثلما يظهر في الصور المحدثة بانتظام لأنشطة المنشآت النووية الكورية الشمالية.

ويرى بودفيغ أن روسيا نشرت رؤوسها الحربية النووية الاستراتيجية أو البعيدة المدى في الميدان على صواريخ وقاذفات وغواصات.

لكن أسلحتها النووية غير الاستراتيجية أو التكتيكية التي يصل عددها إلى ألفين تقريباً، مخزّنة وغير مثبّتة على مركبات توصيل مثل نظام صواريخ إسكندر، بحسب بودفيغ. ويضيف «ليس هناك صواريخ إسكندر تتحرك مع رؤوس حربية نووية. هذه الأسلحة مخزّنة حالياً».

كيف سنعلم؟

يقول لوكالة فرانس برس مارك كانسيان، وهو مسؤول سابق في وزارتيْ الدفاع والطاقة الأميركية عمل على قضايا الأسلحة النووية، «أنا واثق بأن الولايات المتحدة ستلاحظ أي استعدادات روسية لاستخدام الأسلحة النووية».

ويتابع كانسيان الذي يشغل حالياً منصب كبير مستشاري برنامج الأمن الدولي في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن «الأسلحة يجب أن تخرج من المخازن والوحدات المعنية بحاجة إلى التنبيه والروس قد يحذرون أيضاً قواتهم النووية الاستراتيجية».

ويشير إلى أن الأدلة ستنبع أيضاً من الاستعدادات الظاهرة المحتملة للقوات البرية الروسية حين يتمّ تزويدها بمعدات وقائية وتعليمات حول كيفية التصرف في بيئة نووية. ويكرّر «سيكون كل ذلك ظاهراً».

ويقول إن موسكو كما واشنطن استوعبت لعقود الحاجة لإدارة منضبطة لرؤوسها النووية، لافتاً إلى أن هذا النظام ظاهر وقوي إلى حد ما.

ويضيف «يمكننا أن نكون متأكدين تماماً من عدم وجود منشآت خفية».

ويوضح «تحتاج الأسلحة النووية إلى بنية معينة وأشخاص مدربين وصيانة. لا يمكن القيام بذلك في مكان عشوائي».

ومن «الناحية الفنية، يمكن على الأرجح تهريب بضع قنابل من مكان التخزين بدون أن يلاحظ أحد»، بحسب قوله، لكن القيام بذلك ينطوي على مخاطر تشمل إثارة هجوم استباقي من الغرب. لكن «لن يكون الروس متأكدين أبداً ممّا إذا تمّ اكتشاف مشروعهم».

ويلفت إلى أن من المرجح أن ترغب روسيا في أن يرى الغرب استعداداتها بمثابة تحذير.

تحذير العالم

وحذّرت الولايات المتحدة، قبل بداية الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير بأسابيع، من أن روسيا تعتزم الهجوم على أوكرانيا في محاولة لإعداد كييف وحلفائها ولردع موسكو ربما عن المضي قدماً بخطتها.

هل ستحذر واشنطن العالم علناً إذا اكتشفت أن روسيا تخطط لشن هجوم نووي؟ قد يتسبب ذلك بحالة من الذعر غير المسبوق، ليس فقط في أوكرانيا بل أيضاً في مناطق أخرى يمكن أن تتأثر بالتهاطل النووي. وقد تصبح حالة الإنذار دولية إذا توقع الناس تصعيداً نحو حرب نووية عابرة للقارات.

ومن شبه المؤكد أن تحذر الولايات المتحدة الحلفاء والقوى الأخرى بما فيها الصين والهند، على أمل أن يضغطوا على موسكو للانسحاب أو مواجهة العزلة الدولية. لكن من المحتمل أن ترى واشنطن أن إصدار تحذيرات عامة مفيد في زيادة الضغط على روسيا، وفقاً لبودفيغ.

ويقول الأخير: «يجب أن تقوم الاستراتيجية على أساس العزلة. يجب تعزيز عدم مقبولية ذلك كونه عملاً إجرامياً»، مضيفاً «قد تساهم هذه الرسالة في ردع» روسيا.

ليمان

إلى ذلك، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تسجيل مصور، أمس، أن القوات الأوكرانية باتت تسيطر بالكامل على بلدة ليمان الاستراتيجية في شمال شرق أوكرانيا، والواقعة بين إقليمي دونيتسك ولوغانسك في الدونباس، التي استخدمتها روسيا منذ السيطرة عليها في مايو الماضي كنقطة إمداد رئيسية لقواتها في أوكرانيا.

وقال العقيد المتقاعد بالقوات الجوية الأميركية، سيدريك لايتون، إن «السيطرة على المدينة كان أكبر هدف سعى إليه الأوكرانيون في الشمال الشرقي وقد يحسن من إمداداتهم وقد يغير قواعد اللعبة».

وخلال مؤتمر صحافي في هاواي، رحّب وزير الدفاع لويد أوستن بسيطرة أوكرانيا على ليمان قائلاً: «ليمان تقع عبر خطوط الإمداد التي استخدمتها روسيا لدفع قواتها وعتادها إلى الجنوب والغرب، ومن دون هذه الطرق سيكون الأمر أكثر صعوبة، لذا فإنه يمثل نوعاً من المعضلة بالنسبة للروس للمضي قدماً».

القائد العام السابق للقوات الأميركية في أوروبا والمحلل العسكري الجنرال الأميركي مارك هيرتلينغ، قال بدوره لشبكة CNN، أن الرئيس فلاديمير بوتين «لم يعد لديه ما يستطيع من خلاله المناورة في أوكرانيا».

ويعد الاستيلاء على ليمان أمراً حاسماً للهجوم المضاد لأوكرانيا، الذي انطلق من الغرب إلى الشرق بهدف قطع خطوط الإمداد للروس بين الشمال والجنوب في إقليم دونباس.

وتقول صحيفة «نيويورك تايمز»، إن «انسحاب روسيا من ليمان، يترك قواتها بشرق أوكرانيا في موقف محفوف بالمخاطر بشكل متزايد».

على صعيد آخر في تصريح هو الأول من نوعه لوزير ألماني، قال وزير الصحة كارل لاوترباخ، بأن ألمانيا «في حرب» مع الرئيس الروسي.

وفي تغريدة على حسابه بـ «تويتر»، سأل لاوترباخ: «لنكن مرة صادقين: ما الذي يجب أن يجلبه حالياً الخضوع أمام بوتين؟»، وتابع: «إننا في حرب مع بوتين... يجب متابعة الفوز بثبات في شكل تحرير أوكرانيا».

كيسنجر يغير موقفه: روسيا خسرت الحرب بالفعل
غيّر هنري كيسنجر (99 عاماً) مستشار الأمن القومي وزير الخارجية الأميركي الأسبق موقفه من الحرب الروسية في أوكرانيا، مشيراً في ندوة بمجلس العلاقات الخارجية إلى أن «روسيا، بطريقة ما، خسرت الحرب بالفعل في أوكرانيا»، لأن «قدرة موسكو على التهديد باكتساح أوروبا بالأسلحة التقليدية قد تم التغلب عليها الآن بشكل واضح».

وكان الدبلوماسي الأميركي المخضرم الذي لعب أدواراً دبلوماسية تاريخية، حث أثناء مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في مايو، على عدم السعي لهزيمة محرجة لروسيا في أوكرانيا، واقترح تنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها لروسيا للمساعدة في إنهاء الحرب، وهو ما تسبب له في انتقادات واسعة من الكثير من المسؤولين والخبراء بواشنطن وعواصم أوروبية وكييف. وفي الندوة التي نظمها مجلس العلاقات افتراضياً، بمناسبة صدور كتاب جديد لكيسنجر حمل عنوان «القيادة: 6 دروس في الاستراتيجية الدولية»، انتقد وزير الخارجية الأميركي السابق «شيطنة» أميركا والغرب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وعدّها عملاً غير سياسي، ودليلاً على غياب السياسة، وندد بـ «شخصنة» الصراع واختزاله في شخص الرئيس الروسي، معتبراً أن هذا ليس عملاً حكيماً، شأنه شأن محاولات الولايات المتحدة ضم أوكرانيا إلى حلف «الناتو».

وأشار إلى أنه في نهاية المطاف يجب أن يبدأ الحوار بين الغرب وروسيا، متابعاً: «نحتاج بشدة إلى بعض الحوار ربما على مستوى غير رسمي، وربما بطريقة استكشافية لأن ذلك مهم جداً، خاصة أننا في بيئة نووية، حيث الحوار أفضل بكثير من القرارات في ساحة المعركة»، مشدداً على أن مهارات السياسة الحقيقية تظهر في كيفية إنهاء الحروب لا في إشعالها.

ورأى أن السؤال المهم الآن: «ما علاقة روسيا مع أوروبا في المستقبل؟» قائلاً: «إذا كان لأوكرانيا أن تبقى على قيد الحياة وتزدهر، فيجب ألا تكون موقعاً متقدماً لأي من الجانبين ضد الآخر (الغرب أو روسيا) بل يجب أن تعمل كجسر بينهما»، مشدداً على ضرورة أن «يدرك الغرب أن أوكرانيا في نظر روسيا لا يمكن أبداً أن تكون مجرد دولة أجنبية عادية».