عن الظل كانت أفكار ذاك المساء المختلط ما بين بين، حيث لاتزال حرارة صيف الخليج تصارع بتصميم قدوم فصل آخر في منطقة تقلصت فيها الفصول الأربعة إلى فصلين فقط، وأحيانا في أيام خاصة من الشتاء تتداعى الفصول الأربعة في أربع وعشرين ساعة فتداهم من هم هنا أولئك الذين اعتادوا الرتابة في كل شيء حتى الطقس.

للظل علاقة حميمة مع الفصول، فهناك فصل بظل واضح كصاحبه وآخر لا ظل إلا لصوت الريح أو صورة منعكسة على الماء.

Ad

أفكار أو أحاديث الظل جاءت مع انتشار صور لذاك المركب الذي انتكس ليلفظ من فيه إلى البحر من نساء ورجال وفتيات وأطفال كلهم بحثوا عن وطن آخر في قوارب الموت المستمرة منذ أعوام، هل يكون البحر وطناً للفقراء والعاطلين؟ ربما رغم قساوة أمواجه وتضاريسه وأسماكه، يبدو أحيانا أكثر رحمة من أرض قالوا له مراراً وتكراراً إنها وطنه وأكثروا الأناشيد تبجيلاً وتعظيماً لها!!

مرة أخرى يعود السؤال إلى الواجهة: ما الذي أتى بأفكار أو أحاديث الظل والأخبار كلها عن أشباح تلاشت بين أمواج بحر أو ربما نجت لتعيش حسرة العودة إلى بيوت الصفيح والطين وأزقة الفقر وطوابير البطالة الطويلة لشباب حملوا أحلامهم في جيوب ستراتهم المهترئة، ومعها بقايا صور لأشخاص كانوا هم الوطن أو ما تبقى منه، وهو يتلاشى أمامهم كاليابسة من ظهر قارب الموت ذاك على مسافة تبدو بعيدة جدا عن قلب كان، ورجفة، وخبز، وبضعة زيتون وزعتر؟

عندما انتكس ذاك القارب أو هو غرق كما العدد الكبير من القوارب التي سبقته بقيت ظلالهم ربما فوق صفح ماء البحر أحياناً، وبعضهم يتلاشي في بطن الماء، هم كالمستجير من الفقر والعوز والظلم بالبحر رغم أن أهلهم قالوا لهم إنه «غدار» لا كما يرون في الأفلام الحديثة من مساحات زرقاء وشواطئ رملية وموسيقى وصخب وأكل وشراب بألوان الطيف وضحك وفرفشة!! هو بحر آخر هذا لا يشبه ما رأوه في المسلسلات على شاشات هواتفهم المتواضعة حتى بذكائها أو ربما شاشات كبيرة نسبيا في مقاه شعبية وبسيطة حيث يرتادها المهمشون فقط.

رحلوا ونحن نتطلع إلى ظلهم ونبحث عنه عندما يأتي النهار سريعاً رفقا بأولئك المتعبين الباحثين عن وطن حتى لو كان ذلك عبر قارب موت أو موجة عالية أو تاجر بشر يتآمر عليهم، كما أولئك الجالسين على شواطئ لازوردية ويرددون «اللهم لا حسد»! الفقراء لا يحسدون بل هم أكثر الفئات إحساسا بالآخرين وتجارب القوارب وغيرها من الكوارث أثبتت وتثبت ذلك، الفقير لا يملك سوى قلبه وبعض رغيفه وزاوية من منزله الصغير جداً ليشارك فيه الآخرين!

وبين هذا الظل وذاك الذي تبقى صورة تطاردك كلما دخلت غرفتها وأنت تعرف وهي تعرف أنها رحلت في ذاك العام البعيد جداً على الرزنامة، القريب جدا كلما أخذتك رجليك إلى غرفتها وطالعك الظل الباقي هناك في أجزاء منها، حيث رقدت في سنواتها الأخيرة تقاوم المرض كما يقاوم أولئك الفقراء والعاطلون عبر الترحال فوق قارب ربما يكون هو الحياة وربما الموت أيضا وهو الأكثر اقتراباً من حياتهم.

قد لا يكون هو ظلها بل ظل سقوط أشعة شمس الصباح وأنت تفتح ستارة نافذة غرفتها المشرعة على عائلتها، فمنها تعرف أنهم جميعا في البيت والليل ينتصف والدنيا تعود إلى سكون قد يكون أحيانا مخيفاً، تبحث عن عرباتهم التي تصف واحدة قرب الأخرى، وكأنها وهي ترسم تفاصيل منزل العائلة قبل سنين قد غمزت للمهندس أن تكون لغرفتها نافذة منها تتسلل الشمس في الصباح ونور البدر في الليل، ومنها أيضا تعرف أنهم جميعا في البيت فتغمض جفنيها وتخلد لنوم يتقطع بأحلام خوفها عليهم... هكذا هن نساء هذه الأوطان، حارسات العائلات بقلوبهن هكذا هن رغم تشوه الصور أحيانا ربما بالعمد أو ربما بعوامل التغييرات السريعة.

مازال ظلها ملتصقاً بظلالهم جميعا، فمن قال إن الأرواح ترحل مع الأجساد ما هو إلا واهم أو متزمّت أو جاهل أو ربما فقط دون قلب، ظلها وظلّهم تبقى أقوى صور الوطن الذي كان أو هو ظل الوطن ربما؟!

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية

خولة مطر