كان غزو روسيا لأوكرانيا سببا في إحداث تغيير جذري في البيئة الأمنية العالمية وفرض تحديات خطيرة على سياسة اليابان الأمنية.

إن غزو أوكرانيا، الدولة المستقلة، انتهاك واضح للقانون الدولي ولا يمكن التسامح معه مطلقا، ففي مستهل الأمر، توقع بعض الخبراء، مثل مؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة، سقوط العاصمة كييف في غضون أيام قليلة، لكن الحكومة الأوكرانية والشعب ظلا ثابتي العزم في معركتهما للدفاع عن الوطن.

Ad

أثبتت أوكرانيا قدرتها على الصمود في مواجهة قوى عظمى، وسرعان ما أفضى التمسك بالمبدأ الأساسي المتمثل في «الدفاع عن الوطن»، مصحوبا بالمساعدات العسكرية والمالية الواسعة النطاق التي تلقتها أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا، إلى إحداث تغيير كبير في مسار الحرب.

هل توقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قَـط أن اليابان، والولايات المتحدة، وأوروبا- تحالف الراغبين الذي يشترك في القيم الجوهرية ذاتها المتمثلة في الحرية، والديموقراطية، وسيادة القانون- قد تتحد لمساعدة أوكرانيا؟ يشهد الغزو الروسي على الصعوبة البالغة التي قد تواجهها دولة منفردة في حماية أراضيها وأرواح شعبها وممتلكاته، وعلى هذا فإن الأمر ليس بعيد الصلة بالبيئة الأمنية المحيطة باليابان.

أثناء إدارتي الأولى في عام 2007، في خطاب ألقيته أمام البرلمان الهندي بعنوان «ملتقى البحرين»، ابتعدت عن فكرة «آسيا والمحيط الهادئ» وقدمت مفهوما جيوسياسيا جديدا تصور المحيطين الهندي والهادئ على أنهما «بحر واحد»، ومن منطلق إدراكي للجهود التي تبذلها الصين لتصبح قوة عسكرية عظمى، سعيت أيضا إلى التعاون مع دول في آسيا تشترك في القيم الأساسية، فضلا عن التقارب بين اليابان، والولايات المتحدة، وأستراليا، والهند.

ما يدعو إلى الأسف أن الولايات المتحدة اتخذت في البداية موقفا حذرا في النظر في موقف الصين من المحادثات السداسية حول التطور النووي في كوريا الشمالية، والذي كان جاريا في ذلك الوقت، أما الهند، الملتزمة بتقليد عدم الانحياز، فقد لزمت الحياد، ومع ذلك، وبدعم من رئيس الوزراء الأسترالي جون هاورد، نجحت في إدارة حوار رفيع المستوى بين الدول الأربع (المعروف رسميا بمسمى «الرباعي»).

ثم في عام 2016، أثناء إدارتي الثانية، أعلنت رسميا فكرة «منطقة الهادي الهندي الحرة المفتوحة» في إطار مؤتمر طوكيو الدولي حول التنمية الإفريقية، وفي وقت لاحق، غير الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسمى «قيادة المحيط الهادئ» إلى «قيادة منطقة الهادي الهندي»، وبدأت الولايات المتحدة تعمل على مواءمة استراتيجيتها العسكرية والدبلوماسية مع الاستراتيجية التي دعت إليها اليابان.

لقد تحقق اجتماع وزراء خارجية الحوار الرباعي واجتماع القمة، على التوالي، تحت إدارتي وإدارة يوشيهيدي سوجا، وقد أوضح البيان المشترك الصادر بعد القمة التي عقدها رئيس الوزراء فوميو كيشيدا، والرئيس الأميركي جون بايدن، ورئيس الوزراء الأسترالي تولني ألبانيز، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في طوكيو في الرابع والعشرين من مايو/أيار 2022، المبادئ التالية في ما يتصل بالوضع الإقليمي في منطقة الهادي الهندي:

سوف نناصر الالتزام بالقانون الدولي، وبخاصة على النحو المبين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وصيانة حرية الملاحة والتحليق، في التصدي للتحديات التي تواجه النظام القائم على القواعد البحرية، بما في ذلك في بحري الصين الشرقي والجنوبي. ونحن نعارض بشدة أي تدابير قسرية أو استفزازية أو أحادية الجانب تسعى إلى تغيير الوضع الراهن وزيادة التوترات في المنطقة، مثل عسكرة المعالم المتنازع عليها، والاستخدام الخطير لسفن خفر السواحل والميليشيات البحرية، والجهود الرامية إلى تعطيل أنشطة استغلال الموارد التي تزاولها دول أخرى.

منذ «ملتقى البحرين»، أوضحت التهديد الذي تفرضه الصين، وقد أثمر هذا الجهد، حتى أن المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، أرسلت سفنا بحرية إلى منطقة الهادي الهندي، وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن مفهوم حرية وانفتاح منطقة الهادي الهندي أصبح نقطة تحول رئيسة في السياسة الأمنية العالمية.

تقع تايوان على وجه التحديد في منطقة الهادي الهندي، لكن التوترات المتصاعدة مع الصين ترتبط بموقف يجري في النصف الآخر من العالم، أوكرانيا. يشترك الصراع الدائر بين روسيا وأوكرانيا في العديد من الأمور مع التوترات بين الصين وتايوان:

أولاً، روسيا والصين قوتان نوويتان وعضوان دائمان في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

ثانياً، ليس لأوكرانيا أو تايوان حلفاء عسكريون، ولكن هناك فارق جوهري بين أوكرانيا وتايوان: أوكرانيا معترف بها دوليا كدولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة، ولهذا السبب، أُدين الغزو الروسي في مختلف أنحاء العالم باعتباره انتهاكا للقانون الدولي.

تايوان، على النقيض من ذلك، ليست عضوا في الأمم المتحدة، ولا تعترف بها كدولة ذات سيادة سوى قِـلة من الدول، فإذا تحركت الصين ضد تايوان، فسيزعم قادتها أن تايوان جزء من الصين، وأن أفعالهم مسألة داخلية المقصود منها ضمان وحدة وسلامة أراضي الصين.

يتبقى لنا أن نرى ما إذا كانت الدول ستتحد في مساعدة تايوان وفرض عقوبات اقتصادية على الصين، كما فعلت في حالة أوكرانيا.

أوضح بايدن في مؤتمر صحافي في اليابان أن إدارته لن تتردد في المشاركة عسكريا في الدفاع عن تايوان، ففي الماضي، كانت الولايات المتحدة ملتزمة بسياسة «الغموض الاستراتيجي»، متعمدة عدم الإفصاح عن مدى التزامها بالدفاع عن تايوان، لكني كنت أتصور أن الإعلان بوضوح عن التزام الولايات المتحدة من شأنه أن يخدم كرسالة قوية لردع الصين عن التحرك ضد تايوان بالقوة، وأنا أقدر تعليقات بايدن في هذا الصدد.

تعمل الصين، مدعومة بقوتها الاقتصادية الهائلة، على بسط نفوذها إلى مناطق عديدة وبناء قواعد عسكرية في الوقت ذاته، ورغم أن اليابان والولايات وأستراليا والهند صاغت إطارا بالغ الأهمية للتصدي لهذا التهديد، فمن الأهمية بمكان تعميق علاقاتنا مع الدول التي تشاركنا قيمنا، بما في ذلك الدول الأوروبية.

الواقع أن اليابان يجب أن تضطلع بدور كبير في هذا الصدد، ويتعين عليها أن تعمل على تعميق تحالفها مع الولايات المتحدة، وتحقيق رؤية منطقة الهادي الهندي الحرة المفتوحة.

هذه الترجمة لمقال نشره آبي شينزو بعنوان «رسالة إلى قراء الطبعة اليابانية» بتاريخ العاشر من يونيو 2022، هي آخر نص كتبه قبل اغتياله في الثامن من يوليو، ويمكنكم الاطلاع عليه في النسخة اليابانية من «استراتيجيات الهادي الهندي: الإبحار عبر أمواج المملكة الجيوسياسية عند فجر عصر جديد».

* شينزو آبي

*رئيس وزراء اليابان لفترتين، من 2006 إلى 2007، ثم من 2012 إلى 2020.

Project Syndicate