يذكر تاريخ الطالب جمال عبدالناصر أنه قام بتمثيل دور يوليوس قيصر- في النشاط المسرحي لمدرسته الثانوية، وهي المسرحية التي صور فيها شكسبير خيانة الأصدقاء، ولم يكن يخطر في بال من شاهدوا ذلك العرض، أن الطالب الذي مثل ذلك الدور، سيصرخ متألماً حقيقةً وليس تمثيلاً بتلك العبارة الشهيرة (حتى أنت يا بروتس؟) بعد سنين بسبب ما أصابه من الأصدقاء الذين وجهوا له طعناتهم القاتلة في حياتهِ، وبعد مماته، وفي مقدمتهم الصديق الأعز عبدالحكيم عامر، والثاني أنور السادات، فالأول فرض هيمنته على المؤسسة العسكرية، ليحقق من خلالها رغباته، ونزعاته، وكانت نتيجتها هزيمة 67 التي أنهت كل توجهاته الثورية فدفع ثمنها في حياته... والثاني - أنور السادات - يوم أطلق سراح الإخوان المسلمين، ومنحهم امتيازات إعلامية ليقودوا حملات تشويه هدفت إلى مسح كل إنجازات عبدالناصر، وإلغاء كل ما له من تراث إيجابي، بل وجعلوه المسؤول الأول عن كل كوارث مصر والوطن العربي بعد مماته، لدرجة أن الشاعر الجواهري وهو يرثيه خاطبه قائلاً: «أنت عظيم المجد، والأخطاء».

***

Ad

• فمعظم الأخطاء التي حُملت على عبدالناصر، كانت تُنفذ وفقاً لاستراتيجية - داخلية وخارجية - تتخطى بكثير صلاحياته أو مقدرته على مواجهتها، مع أنه لم يصل إلى تلك القوة من التأثير الذي أحدثه في العالم العربي وفي إفريقيا ودول العالم الثالث، وجعل مصر تصبح الدولة الأهم في تلك الدول لولا أنه:

- شرعَ قانون الإصلاح الزراعي لإنصاف الفلاحين، يوم ألغى الإقطاع.

- صمم على بناء السد العالي ليساعد على الرخاء في البلاد.

- قرر مجانية التعليم لتربية كوادر بشرية تنهض بالبلاد.

- أمّم قناة السويس ليسترجع حق الشعب المصري في ثرواته.

- لجأ إلى منبر الأزهر الشريف أثناء العدوان الثلاثي، ليعلن «لن نستسلم» فاستجاب له الشعب، فكانت ملحمة بورسعيد.

- تكلم في مؤتمر باندونج، فكان الزعيم الأبرز من بين أغلب قادة العالم.

- اعتلى منبر الأمم المتحدة، فصفق له قادة الدول أكثر من أي متكلم آخر.

***

• ولأنه ليس هناك من يستطيع أن يشكك بشرفهِ وأمانته في عمله، يلجأ البعض إلى ترديد الأسطوانة التي اهترأت تشليخاً:

- أليس جمال عبدالناصر وراء ضياع القدس؟

- أليس هو الذي صنع القذافي، وصدام، والأسد؟

إلخ... إلخ... من هذه المكررات المهترئة مللاً!!

• يا جماعة: ما هكذا تناقش أهم تجربة عربية في التاريخ المعاصر، وتحديداً من خلال كتابات أحزاب الإسلام السياسي التي شوهت تاريخنا العربي، والإسلامي بما أحدثته في العقود الماضية.

***

• لابد ألا يخضع الحكم على التجارب السياسية الكبيرة لاندفاع مشاعر تستند إلى تفاعلات من كراهية مسبقة، لأن غالبية أبناء هذا الجيل ممن يكرهون عبدالناصر قد ورثوا كراهيتهم له من الذين يكرهون مشروع الوحدة العربية، أو ممن تضرروا من قوانين حدت من تسلطهم وسيطرتهم على الطبقات الفقيرة، أو من كتابات الإخوان المسلمين.

وشرفٌ لعبدالناصر أن يكون مغضوباً عليه من الدواعش وأشباههم، لأنه أول من نبهَ لخطرهم.

د. نجم عبدالكريم