طرح ما سمي «وثيقة القيم» في هذه الأيام بالذات إنما هو حركة سياسية بحتة هدفها اقتناص أصوات انتخابية بدغدغة المشاعر الدينية لطيبي القلوب، رغم أن الانتخابات السياسية، وحتى العادية منها، هي أبعد ما تكون عن الالتزام الديني، فهي ملوثة في أغلبها للخائضين فيها، والدلائل على ذلك كثيرة، فأغلب النوادي والجمعيات الدينية والمدنية المنتخبة قد تغلغل فيها الفساد والرشوة والتزوير.

تلك الوثيقة أتت خالية من أي التزام بالمواثيق الأخلاقية والوطنية الحقيقية التي تخص النائب نفسه، فهي حتى لم تجبر موقعيها على التعهد بما أمر به ديننا، كالأمانة والصدق والنزاهة والخلق القويم، والحفاظ على أموال الدولة من السرقات والاختلاسات والتزوير في كل شيء، والرشوة على كل شيء وتردي التعليم، وهدر المال العام، واسترجاع ما نهب ومعاقبة الفاسدين، وكأنهم سيترشحون من أجل مجلس جمعية دينية لا مجلس سياسي تشريعي بحت.

Ad

هذه الوثيقة تشعرنا بأن من خطها ليس واثقاً من نفسه، وبالتالي عدم الوثوق بغيره، فهي تشكيك برجال الكويت ونسائها، وهي تشكيك صريح في أمهاتنا وزوجاتنا وبناتنا، إنها مدخل لفرض ثقافة دخيلة مستوردة بعد أن ضاقت بهم الدنيا بما رحبت، وقد وصل الأمر بأحد المرشحين أن طالب بالفصل بين الجنسين حتى في رياض الأطفال، فهل كان هناك فصل له ولأطفاله؟ لقد أصبح الدين عند البعض طيراً يقنصون به من أجل مصالحهم، إنهم يلوثون عقول أبنائنا وبناتنا، إنهم يفتحون عيونهم على أمور لم ولن تخطر على بالهم.

الواضح أن الكويت أصبحت ساحة تستغل انتخاباتها، ولا نقول ديموقراطيتها، من أجل فرض أجندات ستستخدمها آجلا أم عاجلا قوى أجنبية، كما استغلت طالبان و«القاعدة»، ففي حين تتجه باقي دول الخليج إلى مرحلة انفتاح غير مسبوقة، ونهضة تنموية كبيرة، تأتي هذه الوثيقة لتقضي على ما تبقى في الكويت من حريات، وهذه فعلا مشكلة، فهذه الوثيقة القندهارية، التي يراد فرضها على شعب بأكمله، كتبت ووقعّت من أناس أكثرهم لم يولدوا ولم يعاصروا كويت الانفتاح والحريات الذي بدأ بالأفول في أواخر السبعينيات.

أما المطالبة بفتح خط ساخن مع معدي الوثيقة لإبلاغ النائب المتعهد أولاً بأول عما يقع من مخالفات شرعية وأخلاقية، فهي مربط الفرس، وكأنه هروب لهيئة الأمر بالمعروف سيئة الذكر من الشقيقة السعودية، فلم يجدوا غير الكويت مستغلين الحالات الانتخابية فيها والتساهل، وعدم الحزم ضد كل ما هو دخيل ومخرب للبنية الكويتية!

‏القرار الكويتي والشخصية الكويتية اختطفا بسبب الانتخابات، فقد تسلل المفسدون والمزورون وسراق المال العام من خلال الرشوة والمحسوبية، وتحولت الكويت الى معبر إقليمي للمخدرات، وساحة مفتوحة لغسل الأموال، والآن هناك من يريد للكويت أن تكون باحة مفتوحة لحركات متزمتة منغلقة يسهل استغلال منتسبيها من دول لتغذية منظماتها الإرهابية.

نريد الكويت كما عهدناها دولة مدنية، دينها الإسلام، يعيش فيها الجميع كما في السابق جنبا الى جنب بود ومحبة وسلام، لا نريدها أن تختطف، فما طرح من نقاط في «وثيقة القيم» ما هو إلا صيغة طالبانية قندهارية بامتياز، ونحن نرفض أن تصبح الكويت قندهار العرب، نحن نطالب بأن تلحق الكويت بركبها الخليجي، نريد الكويت أن تعود كما عهدناها.

طلال عبد الكريم العرب