تشكّل إصلاحات مكافحة الفساد في أوكرانيا منذ ثورة عام 2014 نموذجاً للديموقراطيات الناشئة التي تسعى إلى التخلص من إرث الأنظمة الفاسدة، وقد ساهمت على الأرجح في تقوية دفاعات البلد ضد الغزو الروسي، إنه الاستنتاج الذي يتوصل إليه دليل جديد تستعد الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لإرساله إلى بعثاتها وشركائها حول العالم.

يشمل هذا الدليل لمحة عن الجهود الكبرى التي بذلتها إدارة جو بايدن لمكافحة الفساد في أنحاء العالم، علماً أنها شكّلت عقيدة ثورية في سياستها الخارجية لكن أغفل الكثيرون عن أهميتها.

Ad

في ديسمبر 2021، أصدرت الإدارة الأميركية أول استراتيجية لمكافحة الفساد، وكانت تهدف إلى كبح التمويل غير المشروع عبر سد الثغرات في البرنامج التنظيمي الأميركي، وتعزيز الجهود الرامية إلى دعم منظمات المجتمع المدني والصحافيين الذين يكشفون الفاسدين حول العالم، وإنشاء مناصب مرموقة لمكافحة الفساد داخل وكالات حكومية أساسية، بما في ذلك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، ووزارة الخزانة، ووزارة الخارجية، ففي حين تسعى بلدان مثل روسيا والصين اليوم إلى استعمال ثروات غير مشروعة في سياستها الخارجية للتأثير على سياسات الدول الأخرى، أصبح جو بايدن أول رئيس أميركي يضع مكافحة الفساد على رأس أولويات الأمن القومي.

ركزت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تاريخياً على الفساد الإداري الذي يُضعِف برامج التنمية، لكنها بدأت تسلّط الضوء الآن على الكليبتوقراطية وآثارها المريعة، وتحاول التعامل مع الأدوات الفاضحة التي يستعملها المسؤولون الفاسدون.

يعرف الجميع مدى صعوبة إسقاط الأنظمة الكليبتوقراطية من السلطة، ولا يظهر هذا النوع من الفرص عموماً إلا مرة واحدة في كل جيل، وهو يرتكز على الانتفاضات الشعبية أو حملات الدعم للحركات الإصلاحية، ويعترف الدليل الجديد بعجز الولايات المتحدة عن فرض هذه اللحظات مسبقاً، لكن من مسؤوليتها أن تتجاوب معها بطريقة ذكية عند ظهورها. تشدد التوجيهات الجديدة الصادرة عن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على أهمية تحديد ركيزة العمل في الوقت المناسب، مما يعني رصد نشاطات الفساد والشبكات التي تستعملها مسبقاً، والتحرك في أسرع وقت لدعم الحكومات الإصلاحية والصحافيين ومنظمات المجتمع المدني عند وقوع هذا النوع من الأحداث المؤثرة. على غرار عدد كبير من المنظمات الدولية المانحة، تنشط الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على أساس دورات تمويل مطوّلة ومرنة بشكل عام، لتسريع التجاوب مع أحداث مثل الثورة الأوكرانية في عام 2014 أو انتخاب حكومة إصلاحية في مولدوفا في عام 2021، أعلنت الوكالة إنشاء صندوق الاستجابة لمكافحة الفساد لدعم البلدان في لحظات التغيرات السياسية ولتجربة آليات جديدة ومبتكرة لمكافحة الفساد. على صعيد آخر، يطرح الدليل الجديد تقييماً قاتماً حول هشاشة التطورات الديموقراطية في الدول الفاسدة: «في معظم الأوقات، يتلاشى زخم الإصلاحات خلال سنتين، ويعود الفاسدون إلى السلطة بحلول تلك المرحلة». في هذه الحالات، يقدّم الدليل سلسلة من التوصيات لمحاسبة الحكومة المحلية عبر تكثيف الضغوط الدبلوماسية عليها، ومتابعة دعم الإصلاحيين والصحافيين الذين يواجهون مضايقات قانونية من جانب الأوليغارشيين والحكومات الفاسدة. كجزءٍ من حزمة مبادرات كُشِف النقاب عنها في شهر ديسمبر الماضي، خلال «قمة الديموقراطية»، أعلنت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية عن إنشاء صندوق الدفاع العالمي ضد التشهير لحماية الصحافيين الاستقصائيين من الدعاوى القضائية التافهة التي تهدف إلى إسكاتهم. يقول مسؤول في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية: «يخبرنا زملاؤنا في البعثات منذ فترة بأن الفساد يبقى أكبر عائق أمام التقدم الذي يسعون إلى إحرازه في مسائل تنموية أخرى، وفي قطاعات الصحة والتعليم والمناخ، فهم يتوقون إلى تكثيف عملهم في هذه المساحة ويشعرون في معظم الأوقات بأن هذا الجزء من عملنا لا يحظى بالتمويل الكافي تاريخياً».

* إيمي ماكينون

Foreign Policy