توصّلت دراسة جديدة إلى أن تناول الهرمونات القشرية السكرية عن طريق الفم أو الاستنشاق، أي نوع من الستيرويد المستخدم للحد من الالتهاب الناتج عن الربو واضطرابات المناعة الذاتية الأخرى، قد يتّصل بإحداث تغييرات ضارة في المادة البيضاء للدماغ.

وكتب مؤلف الدراسة ميريل فان دير ميولين، طالب ما بعد الدكتوراه بالمركز الطبي في جامعة ليدن بهولندا، بالدراسة المنشورة في مجلة BMJ Open الثلاثاء، أنّ هذه الدراسة تُظهر أنّ كلّاً من الهرمونات القشرية السكرية الجهازية والمستنشقة تساهم بتقليص واسع النطاق للمادة البيضاء.

Ad

والمادة البيضاء هي الأنسجة التي تربط بين خلايا الدماغ والجهاز العصبي، ويُمكن أن يؤدي تقلّص هذه المادة إلى إبطاء قدرة الدماغ على معالجة المعلومات، والانتباه، والتذكّر.

وكانت رُبطت مستويات المادة البيضاء المتدنية بالأمراض النفسية مثل الاكتئاب، والقلق، والانفعال.

المادة البيضاء

وقال توماس ريتز، أستاذ علم النفس في جامعة Southern Methodist الذي وضع بحثاً عن أثر المنشطات على المصابين بالربو، وغير المشارك بالدراسة، إنّ هذه الدراسة الجديدة مثيرة للاهتمام بشكل خاص لجهة إظهارها مدى تأثر المادة البيضاء، الضرورية للخلايا العصبية كي تتواصل مع بعضها، جرّاء استخدام الأدوية.

ورغم ذلك، ما من سبب يستدعي القلق، بحسب الدكتور أفيندرا ناث طبيب المناعة العصبية، والمدير السريري للمعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية، غير المشارك في الدراسة أيضاً.

وتابع أنّ الأطباء يعرفون منذ فترة طويلة أنه إذا أعطيت المرضى المنشطات، فإن الدماغ سيتقلص، لكن عند إيقاف تناولها يعود إلى حجمه الطبيعي.

وقال ناث إنه بسبب المرونة التي يتمتع بها الدماغ، من حيث قدرته على إعادة تنظيم بنيته، أو وظائفه، أو اتصالاته - يمكن أن يكون لهذه «المنشطات» تأثيرات مؤقتة، موضحاً أنّه ليس بالضرورة أن تكون دائمة، وفي وسع المادة البيضاء إصلاح نفسها.

وبحسب الخبراء فإنّ الهرمونات القشرية السكرية، هي من أكثر الأدوية المضادة للالتهابات التي يتم وصفها غالباً، بسبب استخدامها على نطاق واسع لعلاج عدد من الحالات.

الهرمونات القشرية

وبالإضافة إلى الربو، يمكن استخدام كل من الهرمونات القشرية السكرية الفموية والمستنشقة لعلاج الحساسية، ومرض الانسداد الرئوي المزمن «COPD»، ومرض كرون، وأنواع أخرى من أمراض الأمعاء الالتهابية، والأكزيما، وأمراض الجلد الأخرى، والذئبة، والتهاب الأوتار، والتصلّب المتعدد، وهشاشة العظام، والتهاب المفاصل الروماتويدي.

ورغم ذلك، لا ينبغي الخلط بين أجهزة استنشاق الهرمونات القشرية السكرية وأجهزة الاستنشاق للحد السريع من نوبة الربو، إذ تحتوي أجهزة الاستنشاق للتخفيف السريع على أدوية غير منشطة تعمل على إرخاء عضلات الرئتين، مثل ألبوتيرول، وليفالبوتيرول، والبيربوتيرول، التي يمكنها فتح المسالك الهوائية بدقائق.

واستخدمت الدراسة الجديدة بيانات بنك BioBank في المملكة المتحدة، وهو عبارة عن مركز أبحاث طبي حيوي كبير يتابع 500 ألف مقيم في المملكة المتحدة بين عامي 2006 و2010، ومن قاعدة البيانات هذه، تمكن الباحثون من العثور على 222 مستخدماً للهرمونات القشرية السكرية الفموية و557 مستخدماً للهرمونات القشرية السكرية المستنشقة، ولم يُشخّص هؤلاء بأي اضطراب بالصحة العصبية، أو الهرمونية، أو العقلية.

كما خضعوا لاختبار الصحة المعرفية والعقلية ولتصوير بالرنين المغناطيسي كامل للدماغ، وسحب الباحثون تلك البيانات وقارنوا النتائج المعرفية والتصوير بالرنين المغناطيسي مع أكثر من 24 ألف شخص في قاعدة البيانات لم يستخدموا فيها المنشطات.

بنية الدماغ

وأفاد مؤلفو الدراسة «ضمن نطاق معرفتنا، إنها أكبر دراسة وضعت حتى الآن، تقيّم العلاقة بين استخدام وبنية الدماغ، وأول دراسة تحقّق بهذه الروابط بين مستخدمي أجهزة الهرمونات القشرية السكرية المستنشقة».

ووجدت الدراسة أنّ الضرر الأكبر في المادة البيضاء رُصد لدى الأشخاص الذين يستخدمون المنشطات من طريق الفم بانتظام ولفترات طويلة.

وتم اختبار سرعة المعالجة العقلية ووجدوا أنها أبطأ لدى مستخدمي الستيرويد الفموي، كما اكتشفوا أن من يتناولون المنشطات من طريق الفم يعانون أيضاً من اللامبالاة، والاكتئاب، والتعب، والقلق أكثر من غير المستخدمين للمنشطات.

ووجدت الدراسة أنّ الأثر الأدنى على المادة البيضاء كان لدى الأشخاص الذين يستخدمون المنشطات المستنشقة.

وقال الدكتور راج داسغوبتا، اختصاصي أمراض الرئة، والأستاذ المساعد للطب السريري بكلية كيك للطب في جامعة ساوثرن كاليفورنيا، وغير المشارك في الدراسة، إنّ هذا يتناسب مع ما يعاينه الأطباء خلال الممارسة السريرية.

ولفت إلى أنّنا لا نرى آثاراً جانبية كما هي الحال في كثير من الأحيان مع الأجهزة المستنشقة للهرمونات القشرية السكرية، متابعاً أنّ الدعامة الأساسية لعلاج الحساسية والربو تبقى دوماً من خلال تجنب المسببات، وإجراء تعديلات على نمط الحياة.

الحاجة إلى مزيد من الأبحاث

وثمة محدودية للدراسة الجديدة.

وقال ريتز إنه على سبيل المثال، لم يكن قادراً على تحديد جرعة المنشط المأخوذة أو تتبع مدى الالتزام بها.

وقال ريتز «نعلم أن نحو 50% فقط من مرضى الربو يلتزمون بتناول أدويتهم وفق التوصية الطبية، كما أنّ الإبلاغ عن الإفراط بتناولها يشكل مشكلة أيضاً».

وأضاف «يجب تناول الهرمونات القشرية السكرية المستنشقة، التي تقلل الالتهاب على نحو منتظم قدر الإمكان، وإن بأدنى جرعة ممكنة تسمح لك بالتحكم في الربو».

أما محدودية الدراسة الثانية فترتبط بعدم القدرة على التمييز بين الأشخاص الذين يتناولون أقراص الستيرويد وأولئك الذين يستخدمون الحقن، وفقاً لمؤلفي الدراسة.

وخلُص ناث إلى أنّها دراسة متقنة للغاية، مضيفاً «لكن النتائج تتطلّب إجراء دراسة أخرى لمعرفة مدى دوام هذه التأثيرات وكيف يمكن إلغائها».