في 15 أغسطس الماضي، أُطلِق سراح 11 رجلاً من سجنٍ في «غودرا» بعد إدانتهم باغتصاب امرأة مسلمة جماعياً وقتل سبعة أفراد من عائلتها خلال أعمال الشغب التي شهدتها ولاية «غوجارات» في عام 2002، وحُكِم على هؤلاء الرجال بالسجن المؤبد، لكنهم خرجوا من السجن بموجب قرار عفو، وعندما عادوا إلى بلدة «سينغفاد»، في «داهود» في ولاية «غوجارات»، قوبلوا بالترحيب والاحتفالات والأكاليل من جانب عائلاتهم وجماعات هندوسية يمينية.

تُعتبر هذه الحادثة إدانة مشينة للحكومة الهندوسية اليمينية التي يقودها «حزب بهاراتيا جاناتا»، فهي تكشف للعلن إلى أي حد يبقى الهندوس المتّهمون والمُدانون بارتكاب جرائم كراهية ضد المسلمين بلا محاسبة في عهد ناريندرا مودي.

Ad

بالنسبة إلى بلقيس بانو، الناجية من الاغتصاب الجماعي، يُعتبر ما حصل مهزلة قضائية بامتياز، فهي تتساءل في بيان أصدرته بعد إطلاق سراح المعتدين: «كيف يُعقَل أن تنتهي أي قضية خاصة بالنساء بهذه الطريقة؟ لقد وثقتُ بالمحاكم العليا في أرضنا، ووثقتُ بالنظام القائم، وكنتُ قد بدأتُ أتعلّم تدريجاً كيفية التعايش مع صدمتي، لكنّ إطلاق سراح هؤلاء المعتدين حرمني من السلام وزعزع ثقتي بالعدالة، فأنا لا أشعر بالحزن على نفسي فحسب، بل على كل امرأة تتخبط لتحقيق العدالة في المحاكم». كانت بلقيس تبلغ 21 عاماً وحاملاً في الشهر الخامس حين اندلعت أعمال العنف ضد المسلمين في «غوجارات»، في عام 2002، وفي 3 مارس من تلك السنة، تعرّضت بلقيس ووالدتها وأربع نساء أخريات للاغتصاب والاعتداء الوحشي، ومن بين 17 مسلماً هربوا من ذلك الاعتداء على بلدتهم، قُتِل ثمانية أشخاص، بما في ذلك ابنتها الرضيعة، واختفى ستة آخرون.

كانت رحلة بلقيس لتحقيق العدالة طويلة وشاقة، فعلى مر السنين التي ناضلت فيها مع زوجها لتأمين مستقبلهما عبر انتزاع حُكْم قادر على تصحيح مسار العدالة، اضطر الزوجان لتغيير مكان إقامتهما في مناسبات متكررة خوفاً من تهديدات القتل.

اليوم، تلاشت مظاهر العدالة الضئيلة التي استفادت منها بلقيس بعد التنقل بين المحاكم الهندية، حين وافقت الحكومة في «غوجارات» على توصية أجمعت عليها هيئة محلية فيها أعضاء على صلة بـ«حزب بهاراتيا جاناتا» وتقضي بإطلاق سراح 11 رجلاً مُداناً كانوا قد أمضوا 15 سنة فقط في السجن.

بعد إطلاق سراحهم، بدأ السكان المسلمون يهربون من «داهود»، وقد تعهدوا بالبقاء خارج بلدتهم إلى أن يدخل المُدانون إلى السجن مجدداً. لقد أصبحت الدوافع السياسية الكامنة وراء قرار حكومة «غوجارات» بإطلاق سراح المغتصبين واضحة، حي ستصوّت هذه الولاية في انتخابات المجلس التشريعي في شهر ديسمبر من هذه السنة، ويُعتبر تأجيج مشاعر الكراهية وتقسيم المجتمع استراتيجية أساسية يعتمدها رئيس الوزراء ناريندرا مودي للفوز في الانتخابات.

لكن تزامناً مع إطلاق سراح المغتصبين ومرتكبي جرائم قتل أخرى والاحتفال بهم، وُضِعت الناشطة الاجتماعية تيستا سيتالفاد والمدير العام السابق في شرطة «غوجارات»، ر. ب. سريكومار، تحت الوصاية القضائية، علماً أنهما تولّيا رفع القضايا ضد عدد كبير من مثيري الشغب في عام 2002.

يواجه سريكومار وسيتالفاد تُهَماً بالتآمر، ويزعم قرار صادر عن المحكمة العليا أنهما أرادا تأجيج الوضع لتحقيق غايات أخرى على صلة بقضايا الشغب في «غوجارات».

بعد عشرين سنة على أعمال الشغب في «غوجارات»، لم ينجح الضحايا حتى الآن في تحقيق العدالة، ولم يعد آلاف المسلمين النازحين بسبب أعمال العنف إلى ديارهم بعد، ولا يزال مرتكبو العنف يتجولون بكل حرية أو أُطلِق سراحهم رغم إدانتهم، حتى أن الفريق الذي يسعى إلى تحقيق العدالة يتعرّض للاعتقال.

لا يُعتبر إطلاق سراح مغتصبي بلقيس حادثة معزولة لإثبات الظلم الذي ترتكبه الدولة، فقد عمد قادة «حزب بهاراتيا جاناتا» إلى دعم المغتصبين أو التغطية على الأضرار التي سبّبوها في حوادث اغتصاب أخرى.

في عام 2012، حين تعرضت طالبة طب عمرها 23 عاماً لاغتصاب جماعي في حافلة متنقلة في العاصمة الهندية، نيودلهي، اندلعت احتجاجات حاشدة في أنحاء الهند ودعت إلى شنق المغتصبين، وصلت هذه الحادثة إلى عناوين الأخبار الدولية.

اليوم، تلتزم الهند الصمت رغم إطلاق سراح مغتصبي المرأة المسلمة بلقيس بانو، ويبقى عدد المحتجين على هذا القرار ضئيلاً، وفي حين يتابع معظم الهنود حياتهم بشكلٍ طبيعي، بدأ عالم بلقيس ينهار مجدداً.

مع ذلك، قررت بانو السعي إلى تحقيق العدالة مجدداً، ومن المنتظر أن تراجع المحكمة العليا قضيتها خلال أسبوعين.

تتجه جميع الأنظار اليوم إلى المحكمة العليا، فهل ستعيد المعتدين إلى السجن، أم أنها ستسمح لهم بمتابعة التجول بكل حرية؟ لا مفر من أن يُضعِف القرار الثاني ثقة مسلمي الهند بالسلك القضائي.

* تاروشي أسواني

The Diplomat