على وقع وتيرة متغيّرة سياسياً وميدانياً بين لحظة وأخرى، اندلع القتال مجدداً وبشكل مفاجئ بين التيار الصدري وبعض الفصائل الموالية لإيران، بعد توقفه بأوامر صارمة نهار الثلاثاء الماضي، ليتحول ساحل شط العرب في مدينة البصرة إلى ميدان قتال حقيقي خلال الساعات الأولى من فجر أمس.

وتعود شرارة الاشتباكات، وفق وسائل إعلام التيار الصدري، إلى أن عصائب أهل الحق، أبرز الفصائل المسلحة، قتلت قيادياً في تيار الصدر كان يتناول الطعام في أحد مقاهي البصرة، وجرحت اثنين من مرافقيه؛ فقامت عناصر من التيار بردود انتقامية مسلحة استهدفت قياديين في العصائب، وامتد مسرح الاشتباكات قرب ميناء المعقل شمالاً حتى قصور صدام حسين في مدخل أبي الخصيب، بمحاذاة ساحل طوله نحو 6 كيلومترات.

Ad

في السياق، حذر متحدثون صدريون بأن أي تحرش تقوم به الفصائل سيواجه برد فعل مماثل، مما عزز تقديرات أفادت بأن أوامر زعيم التيار مقتدى الصدر بوقف المعارك يوم الثلاثاء الماضي، لا تعني نهاية الحرب.

وقال قيادي كردي يعمل في بغداد لـ «الجريدة»، إن الأحزاب تدرك، أن الصدر لن يسمح بتشكيل حكومة موالية لإيران، وهو خلال المعركة الخاطفة أثبت أنه قادر على اتخاذ قرار بالقتال واستعرض قدرته التنظيمية والأسلحة الفتاكة التي يمتلكها، وينتظر بدء التنازلات السياسية من خصومه، أو العودة للقتال.

وكانت مبادرة الصدر لوقف المعارك، أشاعت أجواء إيجابية شاملة عكستها بيانات القادة التي شكرت التيار الصدري على «الموقف المتعقل»، في حين كان نوري المالكي رئيس الوزراء الأسبق، وقيس الخزعلي زعيم عصائب أهل الحق، استثناءً في هذه الأجواء، إذ أصدرا مساء الثلاثاء مواقف وصفت بالخشنة، تحذر من خطورة الحرب، وتدعو إلى احترام الدولة عبر لغة جافة مليئة باللوم، ولا تخلو من الوعيد والتهديد لزعيم التيار.

لكن يبدو أن هذه المؤشرات تحولت إلى احتكاك خارج بغداد عبر اغتيال العنصر الصدري في البصرة، دون مبالاة برد فعل الصدريين الذي جاء خاطفاً وانتقامياً وأدى إلى تحييد مسلحي العصائب وإغلاق كل مقراتهم في المحافظة، التي تمثل العاصمة الاقتصادية للعراق.

وابتدأ الصدر يومه صباح أمس، بأحد أقسى بياناته ضد عصائب أهل الحق، إذ نشر «وزير القائد» المقرب منه جداً، مرافعة مطولة مليئة بالنعوت السيئة للخزعلي، تضمنت تهديداً صريحاً بتصفية كل فصيله إذا هو استمر باستهداف عناصر التيار الصدري.

وعلى خلاف المتوقع، رد الخزعلي ببيان مليء هذه المرة بالعبارات الودية، والدعوة للسلام، وأعلن أنه سيغلق كل مقراته، واختفت كلمات الوعيد واللوم التي اعتاد عليها في مخاطبة التيار الصدري، حتى أنه قدم إبلاغاً رسمياً لدائرة شؤون الأحزاب أعلن فيه إغلاق كل مقراته.

مصدر سياسي رفيع في بغداد، قال لـ «الجريدة»، إن هذا التحول المفاجئ في موقف الخزعلي جاء بعد ضغوط إيرانية فوق العادة، طلبت من القادة الشيعة تهدئة الصدر، الذي بدا مستعداً لفعل أي شيء، رافضاً الحوار مع طهران بنحو قطعي.

وأضاف السياسي، أن هذا ينطبق على نوري المالكي أيضاً، إذ لم يعتد طوال حياته السياسية على إصدار بيانات ودية، لكنه أصدر، أمس، بياناً مليئاً بالدعوة للسلام وحقن الدماء، وخلا من أي عبارات لوم أو تهديد، ودعا الجميع إلى نسيان الماضي والتمسك بنبذ العنف وعدم سماع الشائعات.

واستغربت الصالونات السياسية في العراق هذا التحول الواضح في مواقف أكثر الشخصيات تشدداً في المعسكر الإيراني، وأشارت بعض التقديرات إلى أن خيار الحرب الذي بدأ يجربه مقتدى الصدر «جاء بمفعول واضح» لأن إيران لاتريد حالياً المغامرة بالوضع العراقي، وهي بحاجة إلى شيء من الاستقرار لدفع حوارها مع السعودية بوساطة عراقية، وارتباط ذلك بمحادثات «فيينا» النووية، إلى جانب الحفاظ على أجواء هادئة هذه الأيام التي تصادف ذكرى أربعينية الإمام الحسين بن علي.

ووفق هذه التقديرات، فإن كل الأطراف تكدس السلاح والآليات بنحو غير مسبوق، خصوصاً في بغداد والبصرة، مما يعني أن النصف الثاني من شهر سبتمبر الجاري، حيث تنتهي الطقوس الحسينية، قد يشهد المزيد من المصادمات مجهولة العواقب، إذا لم تتبلور تسوية سياسية شاملة.

محمد البصري