من يخرج إلى الشارع فسيرى أن الكويت تبني نفسها حول السيارة، وبينما يتجه العالم إلى تقليص الاعتماد على السيارة ووضع البدائل التي تحقق الاستدامة البيئية، تستمر الكويت في صب الأسفلت رديء الجودة وتوسعة الشوارع التي بدورها اكتظت بالسيارات والشاحنات التي ملأت الهواء بالانبعاثات الكربونية السامة.

ولعل من أوضح الأمثلة على رجعية استراتيجيات النقل العام هو بناء حرم جامعة الكويت الجديد حول مفهوم النقل الخاص وبذلك انتقلت مشاكل الحرم القديم كالازدحام المروري ومشكلة ركن السيارات إلى الحرم الجديد!

Ad

استحوذت السيارة على أجزاء حياتنا بطريقة عدائية، فهي وسيلة التنقل الأساسية في الكويت، فالذي لا يملك سيارة يكاد يصعب عليه التنقل في الكويت، فلا توجد وسائل أخرى بديلة كالنقل العام مثل الباصات والمترو التي يشترط أن توفر الراحة والمرونة والاستدامة للمستخدم.

وفي ظل غياب بديل مناسب للنقل في الكويت واستمرار مشكلة الإيجار الاستثماري في المناطق السكنية أصبحت السيارة مصدراً للإزعاج والضيق المستمر، فقد زاحمت السيارة الناس في الأحياء السكنية، فمكان ركنها أولوية قبل تشجير «الفرجان» وأرصفة المشاة وحارات الدراجات الهوائية، فهناك الكثير من أصحاب البيوت الذين تخلوا عن الزراعة والتشجير أمام منازلهم من أجل تخصيص مكان لسياراتهم.

واستناداً إلى بيانات منظمة الصحة العالمية عام 2020، فإن وفيات حوادث الطرق في الكويت بلغت 649 حالة أو 8.51 في المئة من إجمالي الوفيات، حيث تمثل حوادث السيارات خامس الأسباب الرئيسية للوفاة في الكويت، وهذه النسبة تعكس الجانب الآخر من ثقافة السيارات في الكويت المرتبط بسلوك القيادة، ومدى الالتزام بقوانين المرور. وإلى جانب الاختناق المروري على مدار اليوم يواجه الكثير منا المستهترين الذين يعرضون حياة الناس لخطر الحوادث، كما يواجه قائدو السيارة أنواعاً مختلفة من المضايقات والتوتر والضغط النفسي بسبب تعدي البعض على القانون من خلال مخالفتهم لقواعد المرور وكل هذه العوامل تؤثر على جودة الحياة في الكويت ومتوسط العمر المتوقع للفرد.

‏إلى جانب العبء البيئي، للسيارة عبء اقتصادي على الناس حيث ارتفعت أسعار السيارات وستستمر في الارتفاع بسبب أزمة كورونا والتضخم العالمي، حيث ارتفع متوسط أسعار السيارات الجديدة بنسبة 17.2 في المئة والمستعملة بنسبة 16.9 في المئة بين عامي 2020 و2021. وبالرغم من ارتفاع الأسعار يضطر المواطن والمقيم إلى تحمل هذه التكلفة العالية لأن السيارة هي الوسيلة الأمثل للنقل في الكويت. وقد يضطر أولياء الأمور إلى شراء سيارات لأبنائهم عند دخولهم الجامعة لعدم وجود بديل مناسب، ‏بالإضافة إلى تكلفة الصيانة المرتفعة وتعرض السيارات للضرر بسبب تردي جودة الشوارع وأعمال الصيانة غير المحترفة لاسيما بعد موسم الأمطار.

المستفيد الوحيد من استحواذ السيارة على حياتنا هو شركات السيارات وكراجات الصيانة، لذلك يجب وضع استراتيجيات فعالة لوقف هذه الدائرة الشرسة. لقد تأخرت الكويت كثيرا في ركب تطوير النقل العام، والابتعاد عن حرق الوقود لتشغيل السيارات؛ فالكثير من الدول تبنت استراتيجيات لتشجيع استخدام السيارات الكهربائية التي تستمد الكهرباء من المولدات التي تعمل على الطاقة البديلة كطاقة الشمس والرياح، كما أن الاستثمار في النقل العام والانتقال إلى اقتصاد متنوع يشمل الطاقة البديلة سيساهم في رفع المستوى البيئي وجودة الحياة في الكويت.

* قسم علوم الأرض والبيئة - كلية العلوم جامعة الكويت

د. ريم عبدالرحمن العوضي