قررت الصين كبح الجهود الدبلوماسية مع الولايات المتحدة غداة زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان، فألغت أيضاً قنوات التواصل التي حرصت إدارة بايدن على تقويتها للتعامل مع الأزمات، ويعتبر الخبراء وكبار المسؤولين الأميركيين السابقين هذا التطور مؤشراً آخر على تدهور العلاقات الثنائية بدرجة غير مسبوقة.

يوم الجمعة الماضي، عبرت 49 طائرة صينية الخط الوسيط لمضيق تايوان (رقم قياسي جديد في التوغلات الجوية اليومية) بعد أقل من 36 ساعة على مغادرة بيلوسي تايوان، وبعد يوم واحد فقط على إطلاق وابل من الصواريخ البالستية التي اخترقت الجزيرة من الجهتَين، فأطلق المسؤولون الصينيون بذلك ثمانية ردود قد تُرسّخ وضعاً طبيعياً جديداً ومؤسفاً في هذه العلاقة الثنائية.

Ad

وتشمل التدابير المستجدة وقف المحادثات بين القادة العسكريين وإلغاء اجتماعات العمل بين وزراء الدفاع ومحادثات الأمن البحري. أُلغِيت أيضاً المحادثات المرتبطة بالمناخ وإعادة المهاجرين غير الشرعيين.

في حديث مع صحيفة «فورين بوليسي»، اعتبر الخبراء هذه التحركات دليلاً على محاولات الصين فرض وضع طبيعي جديد في هذه العلاقة، لكنه يخلو هذه المرة من أي حواجز حماية، فقد تجاهل المسؤولون الصينيون هذه التدابير وبدؤوا يرفعون مستوى التوتر العسكري بسبب تايوان.

في هذا السياق، يقول لايل موريس، كبير المحللين السياسيين في «مؤسسة راند» ومسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية كان يُعنى بجهود التواصل مع الصين لحل الأزمات: «يذكّرنا هذا الوضع مجدداً بأن الصراع القائم ليس متوقعاً في المستقبل أو مجرّد احتمال مبهم، فقد أصبحت فرص اندلاع الصراع أعلى مما كنا نظن، في الوقت الراهن على الأقل».

خلال محادثات مع المسؤولين الصينيين، بما في ذلك بين الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينغ، ضغطت الولايات المتحدة لتحديد خطوط تواصل أكثر تفصيلاً، على أن تشمل تبادلات بين وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن، ونظيره الصيني الصارم وي فانغ، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال مارك ميلي، وكبار القادة الإقليميين.

استنكر المسؤولون في إدارة بايدن قرار تعطيل قنوات التواصل يوم الجمعة، فقال المتحدث باسم الأمن القومي في إدارة بايدن، جون كيربي، خلال مؤتمر صحافي: «تُعتبر خطوط التواصل هذه مهمة لتقليص مواقف سوء التفاهم والتفسيرات الخاطئة. من خلال وقف الحوار المتعلق بالمناخ، لا تعاقب الصين نفسها بهذا التصرف فحسب، بل إنها تعاقب العالم أجمع»، مع ذلك، عبّر كيربي عن ثقته بمتابعة الحوار بين كبار المسؤولين العسكريين في أعلى المراتب رغم تعليق بعض قنوات التواصل.

لكن من المتوقع أن تنهار فرص المحادثات بعد موقف الصين يوم الجمعة، خلال التبادلات الدبلوماسية الأخيرة، أعلن المسؤولون الصينيون أنهم يسعون إلى «تجنب الأزمات» بدل بناء حواجز حماية، مما يعني أن الصين تريد من الولايات المتحدة ألا تتصرف بطريقة تزعجها في مضيق تايوان، وفق مصادر مطّلعة على الموقف الصيني. والخميس الماضي، اتّضح جمود العلاقات المستجد حين استدعى مسؤولون في إدارة بايدن السفير الصيني لدى الولايات المتحدة لتوجيه تحذير صارم بشأن تدريبات الصين المتصاعدة.

لم تكن زيارة بيلوسي غير مسبوقة، بل إنها الرحلة الثانية لرئيس مجلس النواب الأميركي في آخر 25 سنة، لكن أصرّت وزارة الخارجية الصينية على اعتبار هذه الزيارة «تدخلاً فاضحاً في شؤون الصين الداخلية»، وفق متحدث باسم الوزارة.

وحذر المسؤولون الأميركيون بيلوسي مراراً من احتمال أن تستفز زيارتها بكين لأنها تتزامن مع الذكرى الخامسة والتسعين لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني.

وقد أثبت موقف الصين الجمعة الماضي أن تداعيات الوضع المستجد في علاقات البلد مع الغرب ستكون واسعة النطاق على الأرجح.

وتُهدد آخر خطوة اتخذتها الصين، التي تنتج وحدها حوالى 30% من انبعاثات الكربون في العالم، بكبح التعاون المناخي العالمي تزامناً مع اقتراب أنظمة الزراعة والطاقة من الانهيار وتوسّع تداعيات التغير المناخي عالمياً.

والأسبوع الماضي، تزامن تصاعد درجات الحرارة مع بلوغ استعمال الكهرباء مستويات قياسية محلياً، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع.

يقول زاك كوبر، مسؤول بارز في معهد «أميركان إنتربرايز» ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي ووزارة الدفاع الأميركية: «لن نعود إلى الوضع الذي كان قائماً قبل هذه الزيارة، أو لن يحصل ذلك في أي وقت قريب على الأقل.

ومن المتوقع أن تتصاعد النشاطات العسكرية في محيط تايوان، وقد تتوسع هذه التحركات شرقاً على الأرجح وعلى مسافة أقرب مما اعتدنا عليه».

لكنّ الاختبارات بالذخائر الحية في محيط الجزيرة والتوغلات الجوية الواسعة فوق الخط الوسيط لمضيق تايوان تثبت، برأي الخبراء، أن الصين تريد في الوقت الراهن أن تعلن للجميع أن مضيق تايوان لم يعد منطقة متنازع عليها.

وكانت الصين قد خسرت صاروخَين في الاختبارات بالقرب من الجزيرة خلال أزمة المضيق التي امتدت على ثمانية أشهر، بين عامي 1996 و1997، مما أدى إلى إطلاق جهود مكثفة لتحديث الدفاعات، لكن لم تواجه بكين هذا النوع من المشاكل هذه المرة.

واضطرت طائرة بيلوسي لتغيير مسارها وقطع ثلاث ساعات أخرى قبل بلوغ الجزيرة في الأسبوع الماضي، وسبق وأعاقت عمليات إطلاق الصواريخ حركة الشحن في المنطقة، مما يثبت توسّع نطاق تحركات الجيش الصيني (مع أن البنتاغون يظن حتى الآن أن هذا النطاق لا يزال أقل من مستوى القدرات اللازمة لغزو الجزيرة).

يقول كريغ سينغلتون، خبير في الشؤون الصينية في مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات ودبلوماسي أميركي سابق: «تهدف هذه العمليات إلى اختبار قدرة بكين على محاصرة تايوان في الظروف الميدانية الواقعية. لقد صمّم الصينيون خطة دقيقة لتنفيذ العمليات ووجدوا في هذه الظروف الفرصة المناسبة لاختبارها. ويحاول جيش التحرير الشعبي الآن تحديد الكميات المستهلكة من الغاز والمواد الغذائية ومدى استقرار أنظمة الاتصالات فيما يحتسب الآخرون عدد الصواريخ».

في الوقت نفسه، تمرّ الصين بأزمة قيادة كبرى قد ترفع مستوى التهديدات باستعمال القوة في المرحلة المقبلة.

خلال المؤتمر العشرين لقادة الحزب الشيوعي الصيني في شهر نوفمبر المقبل، من المتوقع أن يبدأ شي جينبينغ ولاية ثالثة وغير مسبوقة كرئيس للصين ويحصل على صلاحية اختيار رئيس الوزراء الجديد ومستشار الدولة ووزير الخارجية، ويتوقع الخبراء أن تكون الشخصيات التي يختارها متشددة في مواقفها تجاه تايوان.

ويقول مسؤول أميركي سابق رفض الإفصاح عن هويته: «يسهل أن نفترض أن الصينيين سيختارون أشخاصاً أكثر قرباً من خط شي جينبينغ. إنه أهم عامل على الإطلاق: الولاء أهم من آرائهم الشخصية».

يشعر بعض الخبراء بالقلق من تكثيف التدريبات العسكرية الصينية وغياب أي حواجز حماية واضحة المعالم. يقول سينغلتون: «نحن على بُعد سوء تقدير واحد من اندلاع أزمة خطيرة إذا ضرب أحد الصواريخ التي تمرّ فوق تايوان أي موقع عن طريق الخطأ».

* جاك ديتش وأنوشا راثي

Foreign Policy