تميّز الخطاب الأخير لسمو ولي العهد، بتحديده لسياسات وإجراءات زمنية، وبالتالي إمكانية رصدها وقياس كفاءة تنفيذها. فالانتخابات لها بداية ونهاية معلومتان، كمباراة كرة القدم (التشبيه للتوضيح فقط).

ولمّا كان أحد هذه الإجراءات هو حل مجلس الأمة، فلا جديد في ذلك، فقد تم حل المجلس 9 مرات من أصل 16، أما السياسة الأكثر تعقيداً وصعوبة في التنفيذ، فهي عدم التدخل في الانتخابات. ففي حين يمثّل التدخل مخالفة للقانون، فإن التصويت للرئاسة واللجان يجيزه الدستور واللوائح، فقضية التدخل في الانتخابات هي الأصعب تنفيذياً.

Ad

ومع أن الحكومة فوّتت الفرصة بعدم إنشاء الهيئة المستقلة للانتخابات، فإنّ التدخلات المعلنة وغير المعلنة تتجاوز وجود هيئة من عدمه، وتتجاوز أموراً هيكلية وقانونية، وتتم بالسر أكثر مما تتم في العلن.

والتدخلات أنواع ومستويات، منها المباشر وغير المباشر، كما أن منها ما هو هيكلي ومنها السياسي التكتيكي، وإضافة إلى ذلك، فإن درجة التدخل تعتمد على الظروف السياسية الزمنية وتوقيت الانتخابات.

ولم تكن ظاهرة التدخل في الانتخابات سائدة بالمجلس التأسيسي 1962 أو المجلس الأول 1963، التي كانت بسيطة لدرجة أن بعض المرشحين كانوا يدفعون 10 دنانير و«خيشة عيش» لبعض الناخبين للتصويت لهم، إلا أن الأزمة الأولى في ديسمبر 1964، التي كادت تودي بالحياة الدستورية بشكل نهائي، والصراع «الشيوخي» الحاد فيها، لفت الانتباه إلى أهمية المجلس، وكذلك المعارضة للقوانين المنافية للحريات واستقالة عدد من النواب احتجاجاً، وحلّ المجلس البلدي، وتبديد أموال التثمين، أدى إلى تحالف مجموعة من القوى السياسية والتجارية لخوض انتخابات 1967، تحت اسم قائمة «نواب الشعب»، وكانت المؤشرات تفيد بإمكانية تحقيق نجاح كبير لتلك القائمة، مما اضطر السلطة إلى إجراء سريع وغير مدروس في تزوير الانتخابات.

ومنذ ذلك الحين صارت عملية التدخل في الانتخابات جزءاً أساسياً في الصراع السياسي، وصارت القيود الانتخابية أداة أساسية في التأثير على الانتخابات، وعندما قررت السلطة توديع دستور 1962 نهائياً عام 1980، استخدمت وسائل هيكلية لتنقيح الدستور، فغيرت الدوائر الانتخابية من 10 إلى 25 دائرة عام 1981، وتبنّت عدداً كبيراً من المرشحين مادياً بصورة علنية، وشجعت الانتخابات الفرعية بكل مسمياتها القبلية والطائفية، وركزت للمرة الأولى على الالتزام بالقيود الانتخابية، وأعلنتها للمرة الأولى.

ولم يطرأ جديد على نمط التدخل، سواء باستخدام البعد الهيكلي، تغيير الدوائر، أو القوانين المقيدة لحركة المرشحين، مثل حرمان المسيء وغيرها مما يُعرف بصندوق الانتخابات مثلاً.

وسيكون عدم التدخل الحكومي في الانتخابات، إن تم بشفافية ومصداقية، الحدث الأهم في تاريخ الانتخابات، وسينعكس إيجابياً على الحياة السياسية بعمومها، وليس على الانتخابات ونتائجها فحسب. فلننتظر، فالحدث ليس ببعيد.

* أ. د. غانم النجار