في حركة تنم عن سرعة البديهة والحس الإعلامي عنده، أمسك الزميل نبيل إسماعيل كاميرته التي لا تفارقه وراح «يتكتك» عليها، مما أثار الفضول لمعرفة نوع اللقطة التي يركز عليها، وكنا جالسين على رصيف مقهى «الهورس شو» سابقاً في أول شارع الحمراء ببيروت مع الزميل راشد فايد، وإذ برجل فوق الخمسين يتصفح جريدة «النهار» الورقية، وكانت بالنسبة له ذات مغزى ومعنى... فوجود رجل في مقهى تاريخي يجمع المثقفين والإعلاميين والسياسيين، يحمل جريدة ورقية لقراءتها، كان مشهداً نادراً وقد لا يتكرر!

تشعب الحديث والنقاش عن تصاعد الصحافة والمواقع الإلكترونية وزيادة الإقبال عليها لدى القراء مقابل تراجع مخيف عن شراء ومطالعة الصحف الورقية.

Ad

استدار الزميل نبيل إسماعيل في حركة لافتة متأهباً لعرض وجهة نظره، فما كان منه إلا أن فتح «جهاز الآيفون» ليوضح وبالدليل، كيف أن «صورة» التقطها بمناسبة عيد الجيش لسيدة وضعت قنينة غاز إلى جانبها، بلغ عدد مشاهديها خلال ساعتين أكثر من 300 ألف، وهو رقم من المستحيل أن تحققه صحيفة في موقعها الإلكتروني، دع عنك هزالة المبيعات من الأعداد الورقية، والتي لا تزيد على الخمسة آلاف نسخة لكل الصحف اليومية!

أمامنا تجارب عن موت الصحف الورقية وتوقفها عن الصدور مثل «السفير» والحياة والأنوار على سبيل المثال لا الحصر، لم تستطع المواقع الإلكترونية التي حلت مكانها أن تستعيد صورة وقوة وتأثير الصحيفة الورقية.

لسنا هنا في وارد تقييم لتلك التجارب فلكل صحيفة ظروفها واعتباراتها الخاصة بها، إنما السباق بين الاتجاهين من واقع الصحافة اللبنانية لا يخدم أبداً الصحافة الورقية.

المواقع الإلكترونية تتزاحم فيما بينها وهناك الغث والسمين، إنما تبقى مجموعة لا بأس بها من المواقع الإخبارية ومواقع الرأي والتحليل تمثل الدرجة الأولى من المتابعة، هذه المواقع جعلت الصحف اليومية سواء الورقي منها أو الإلكتروني وراءها، ولم يعد «القارئ» يحتاج إلى الصحيفة التقليدية، فقد حلت المواقع الجديدة مكانها، لكن تبقى الحاجة قائمة إلى وجود الصحف الورقية.

السؤال هنا: لماذا لم تجدد الصحف الورقية نفسها، وبقيت في حالة جمود وكأن المشهد لم يتغير؟ ما قدمته بقي في حدود النقل من الورقي إلى الإلكتروني مع بعض الخدمات.

الواقع أن الصورة القائمة فيها الكثير من النقاش باتجاه المحتوى والأدوات المستخدمة في عالم «السوشيال ميديا».

لدى «النخبة» قناعة بأن الصحف الورقية المطبوعة مازالت تتمتع بالمصداقية والمسؤولية، وهما عنصران أساسيان لبناء الثقة والاستمرارية.

حديث الناس يتمحور حول «القناة» أو «الموقع» الذي يحاكي مشاغلهم، واحتياجاتهم وقضاياهم، وهمومهم، وبخطاب مباشر وصريح وبلغة مختلفة عن لغة الصحيفة التقليدية.

يحتاج الكلام عن هذا الموضوع إلى التمييز وعدم الخلط بين «موقع شخصي» – فاشينستا – والآخر «موقع إخباري – رأي» الأول ظاهرة اجتاحت عالم «السوشيال ميديا» وبات الأسلوب معروفاً بالترويج والتسويق وكيفية تحويله إلى مصدر للإثراء المالي الصاروخي.

المواقع الإخبارية والمتنوعة بخدماتها في نقل الخبر إلى التحليل والرأي وكل الأنشطة من ثقافة واقتصاد وفن وخلافه، هي المعنية بالسباق وبكونها اليوم في صدارة الاهتمام والمتابعة.

مصور محترف لديه متابعون عبر الانستغرام والفيسبوك يفوق النصف مليون متابع، كذلك الحال مع المواقع الإلكترونية للصحف الورقية والتي تشهد إقبالاً من القراء يوازي عشرات الأضعاف من قراء الصحيفة الورقية، بمعنى أن القارئ الإلكتروني اليوم صار هو المقياس والمعيار.

تبقى مسألة أساسية وهي الكلفة المالية والتي تتطلبها أعمال الطباعة ومستلزمات التحرير والعاملون فيها والمباني، وهي بخلاف الكلفة المالية لأي موقع إلكتروني إخباري، أي أقل بنسب أقل جداً، وهي مبالغ متواضعة تشجع على المضي في «إنشاء» صحف إلكترونية كاملة المحتوى والمضمون.

أحد الإعلاميين المخضرمين أوجز المسألة بفكرة تقوم على تطوير المحتوى بالكامل للصحيفة الورقية بما يتناسب والتغيير الذي طرأ على الصحافة والقراء والتسويق وبشكل مختلف تماماً مقابل «خلق» صحيفة إلكترونية لا علاقة لها بالطبعة الورقية، عندئذ ربما تحقق الغاية المثلى، وهذا اجتهاد قابل للخطأ والصواب.

حمزة عليان