(تقييم علم النقد النصي)

Ad

في المقالات الأربع السابقة عرضت جميع ملاحظات خبراء المخطوطات القرآنية على مصاحف صنعاء، وفِي هذا المقال أعرض تقييمي الختامي لهذه الملاحظات على الوجه الآتي:

أولاً: أنا من الذين يقدرون جهود المستشرقين عامة، والخبراء منهم في المخطوطات القرآنية خاصة، فقد قدموا خدمات جليلة في إحياء المخطوطات التراثية وتعريفنا بها، في جميع المجالات المعرفية: تاريخ تدوين القرآن والحديث والتاريخ والأدب إلخ... ولست مع الذين ينظرون إلى جهودهم بريبة وتشكيك بوصفهم لا يؤمنون بسماوية قرآننا ولا نبوة رسولنا عليه الصلاة والسلام.

ثانياً: علم النقد النصي، وهو علم يتعلق بالدراسات الفيلولوجية واللغوية والتاريخية، علم برع فيه الباحثون الغربيون، يدرس في جامعاتهم، وله أقسام متخصصة فيها، وقد طبقوه على مجموع نصوص كتابهم المقدس، وخرجوا بنتائج لم تكن دائماً في مصلحة سماوية النص الديني، ولذلك كان من الطبيعي لدى المتخصصين منهم تطبيق هذا المنهج النقدي على نصوص المخطوطات القرآنية المكتشفة، وخصوصا «مصاحف صنعاء» التي تعد من أقدمها، ومن هنا علينا كباحثين مسلمين ألا نضيق بهذا المنهج، ولا نسارع إلى الاتهام والتشكيك في النوايا، بل نطّلع على ما أنتجوه بصدر رحب، فقرآننا محفوظ بحفظ الذي أنزله، ولا يوجد لدينا ما نخشاه عليه، كما أن علينا أن نقيم هذا الإنتاج تقييماً علمياً موضوعياً بغض النظر عن منتجه.

ثالثاً: من خلال دراستي الطويلة لتطبيق علم النقد النصي على نصوص مخطوطات صنعاء وغيرها من المخطوطات القرآنية القديمة، أقول بكل ثقة بعدم أهلية النص القرآني لإمكانية تطبيق هذا العلم، لاختلاف تاريخ تدوين القرآن وحفظه ونقله عن «الكتاب المقدس» سواء من حيث السند المتواتر أو المتن أو المضمون أو اللغة أو العناية بالحفظ والتدوين، ومن هنا فإن أي دعوى بأن القرآن المتلو في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، قد تطور واختلف عن القرآن الذي بين أيدينا، مجرد دعوى إسقاطية غير علمية، لأن مدعيها يسعى لقياس القرآن على «الكتاب المقدس» رغم وجود الفوارق بينهما.

رابعاً: دعونا نتساءل: لماذا لم يفلح «علم النقد النصي» مع القرآن الكريم؟

لسبب جوهري، علم نقد النص ينصب عمله على نص القرآن «المخطوط» وهو مصدر «ثانوي» احتياطي لحفظ ونقل القرآن، ويتجاهل القرآن «المحفوظ» في صدور آلاف الحفاظ الذين نقلوه جيلاً بعد جيل عبر العصور، وهو «المصدر الرئيسي» في حفظ ونقل القرآن عند جميع المسلمين.

إن نقد المصدر «الثانوي» الاحتياطي، وإغفال المصدر الرئيسي ليس منطقياً، ولا علمياً، ولا عدلاً.

إضافة إلى ذلك: ليس من العلمية ولا المنطقية، استنتاج حكم عام على القرآن كله من خلال وجود اختلافات في مخطوطة واحدة، 80 ورقة، بخط ممسوح، وتجاهل جميع المخطوطات القرآنية شبه الكاملة والأوضح منها والمعاصرة لها، مثل:

1 - مخطوطة صنعاء المنسوبة للإمام علي كرم الله وجهه، وتشكل 84 في المئة من القرآن وترجع للقرن الثاني.

2 - مخطوطة مسجد الحسين بالقاهرة، تنقصها 4 أوراق، وترجع إلى النصف الثاني من القرن الأول.

3- مصحف طوب قابي المنسوب إلى عثمان، تنقصه ورقتان، ويرجع إلى النصف الأول من القرن الثاني.

4 - مصحف تيام بمتحف الآثار التركية، تنقصه 3 أوراق، ويرجع إلى النصف الثاني من القرن الأول.

5 - مخطوطة جامعة برمنغهام التي تم فحصها بالكربون المشع وأكد البروفسور البريطاني ديفيد توماس أنه من المحتمل جداً أن يكون كاتبها عاش في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، معظمها مكتوب على رقائق سعف النخل والصخور والجلود وأكتاف الجمال.

كل هذه المصاحف متفقة مع الرسم العثماني، وحتى «مصحف صنعاء» في خطه الفوقي، فهل من العلمية والمنطقية تجاهل كل هذه المصاحف لمجرد وجود كلمات محذوفة أو مضافة في مخطوطة ممسوحة؟!

يبقى تساؤل أخير: لماذا يركز المستشرقون وخبراء الدراسات القرآنية في الغرب على القرآن «المخطوط» ويتجاهلون القرآن «المحفوظ»؟!

هذا ما أجيب عنه في المقال القادم.

* كاتب قطري

د. عبدالحميد الأنصاري