في إطار سلسلة من أخطر خطاباته طوال 20 عاماً، هي عمر نظام المحاصصة الطائفي المؤسس منذ سقوط «نظام صدام» في 2003، ألقى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بقفاز التحدي في وجه إيران وحلفائها داخل الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة، بإعلانه أن العراق هو عاصمة التشيع في العالم الإسلامي، ومرجعيته مدينة النجف المقدسة وليست «قمّ»، مركز الحوزة العلمية.

وقابل الصدر عرضاً إيرانياً باستضافة حوار لتوحيد البيت الشيعي، بقوله في بيان جديد، إن «العراق هو العاصمة الأولى للتشيع، بمعنى رجوع الآخرين له، لا أن يكون تبعاً لهم»، معقباً بأن «وحدة الصف في غاية الأهمية إذا بُنِيت على حب الوطن ونبذ التبعية والإصلاح الحقيقي ونبذ الفساد والفاسدين ومحاسبتهم، ونبذ التفرد بالمال لذوي الوجاهة والمسؤولية، وعكس صورة مشرقة للمذهب، لا بالعنف والتفرد والتسلط والظلم».

Ad

ووصف الصدر مقاتلي الحشد الشعبي بـ «الشجاعة والإخلاص» آملاً انتهاء الفراق معهم، لأنهم «من العراق وإلى العراق، ولا يقبلون التبعية، ولا الولاء لغير المنقذ والمصلح من آل الرسول».

وأضاف: «ما لا يجب إغفاله، إن كان هناك فسطاط التيار وفسطاط الإطار، فلا يعني ذلك أن الحشد الشعبي محسوب على إحدى الجهتين، وفي خضم ذلك، كان هنا فسطاطان: الطالبون للوحدة بلا هدى وكتاب منير، والطالبون لها وفق أسس ومعايير عقلية ودينية واجتماعية ووطنية وأخلاقية، ونحن مع الثاني بالتأكيد، ولن نحيد عنه، خصوصاً مع الأخذ في العلم أن ذلك هو ما تريده منا المرجعية والشعب وكل ذي لب».

وذكر الصدر أنه «على يقين بأن المجاهدين في الحشد يشاطرونه الرأي في طلب الوحدة ضمن الأطر السماوية والدينية والإنسانية والعقائدية، وأغلبهم يرجعون في تقليدهم وسائر أعمالهم إلى الشهيدين الصدريين»، مشيراً إلى أن «هناك من يعزف على وتر الوحدة وعدم شق الصف الشيعي، هذا بالفعل أمر في غاية الأهمية».

يأتي ذلك بعد يوم واحد من شرح زعيم التيار الصدري، في أقوى خطاباته المتلفزة للجماهير العراقية، خطة من ثلاث مراحل، لتغيير النظام الطائفي الحالي ومحاكمة رموزه.

وتزامن أول خطاب للصدر منذ اقتحام أنصاره مبنى البرلمان السبت الماضي، مع إصدار حركة «امتداد» وهي أبرز أحزاب «حراك تشرين» الشعبي الممثلة في البرلمان، بياناً يشرح السقف العالي للتغيير الذي تطالب به حركات شعبية إلى جانب تيار الصدر، ويتضمن ذلك حل البرلمان، وتحويل قوات «الحشد الشعبي» الموالية لإيران، إلى قانون الانضباط العسكري للقوات المسلحة، ومحاكمة كبار الفاسدين واسترداد الأموال الطائلة المسروقة، وصولاً إلى إجراء انتخابات جديدة بعد الانتهاء من «خطوات التصحيح»، حسب ما جاء في البيان.

ووسط مواجهة غير مسبوقة وصلت إلى حدها الأقصى، بين حلفاء طهران ومعارضيهم في التيار الصدري و»حراك تشرين»، أكد الصدر رفضه الحوار مع «الإطار التنسيقي الشيعي»، المظلة التي تجمع حلفاء طهران، مبيناً أنه ينتظر رؤية رد الفعل الشعبي على مقترحه، الذي تضمن إطلاق ما أسماه «ديموقراطية ثورية» مخولة بحل البرلمان ومحاكمة الوجوه القديمة وضمان عدم عودتها للسلطة، وسلب أهليتها للحكم.

وعقّب الصدر بأن الشعب سيعود بعد انتهاء عملية التصحيح، إلى الديموقراطية الانتخابية.

وسارعت أطراف عدة إلى دعم خطاب الصدر، بينها أبرز الزعماء السنة، ورئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، لكن رئيس «حزب الدعوة» نوري المالكي كان أبرز من أعربوا عن قلقهم من هذه المراحل الثورية، وانتقد أنصاره محاولة الصدر التفرد بالمشهد، كما رفضوا الذهاب إلى إجراءات مثل إلغاء الدستور، قد تعيد شبح الدكتاتورية مجدداً إلى العراق.

ويريد الصدر استغلال النقمة الشعبية، بمشاركة «حراك تشرين»، الذي تعرض لقمع هائل عام 2020، ليدخل في تغيير شامل، قد يعلق العمل بالدستور.

ويلقى هذا المشروع قبولاً عند كل الأطراف التي نكلت بها إيران وحلفاؤها طوال الأعوام الماضية، لكن رد فعل الفصائل المسلحة الموالية لطهران هو الذي يقلق الجميع، رغم أن الصدر متحالف مع القوات المسلحة وهي بإمرة حليفه رئيس الوزراء المؤقت مصطفى الكاظمي.

وتحدث الخبير الأميركي البارز مايكل نايتس عن وجود تنصت استخباري نجح في كشف انقلاب على الصدر كفائز أول في البرلمان. وقال نايتس إن المالكي ومسؤولاً إيرانياً بارزاً مع قضاة كبار، اتفقوا على إلحاق الهزيمة بالصدر ومنعه من تشكيل حكومة، عبر قرارات قضائية تقدم تأويلات منحازة لنصوص الدستور المتعلقة بإجراءات التصويت على الحكومة.

وذكرت «حركة امتداد» ولديها نحو 16 نائباً في البرلمان، وأبدت انخراطاً سريعاً مع خطة الصدر، أنها تريد تعديلاً عميقاً للدستور، مع تشكيل «حكومة تصحيحية» وتحويل «الحشد الشعبي» إلى خاضع للانضباط العسكري في القوات المسلحة. وبعد قليل كتب أحد قادة الفصائل وهو أحمد الأسدي، في الرد على «الحزب التشريني: «موتوا بغيظكم».

وكان أبرز شروط الصدر لإشراك حلفاء طهران في الحكومة، نزع سلاح الفصائل التي ظلت تقصف بـ «الكاتيوشا» كل حلفاء الصدر في كردستان شمالاً والأنبار غرباً، منذ انتخابات الخريف الماضي. وقبل أكثر من عام، وصف «الحشد الشعبي» الانتخابات بأنها اختبار وجودي، لأن الصدر و»قوى تشرين» كانا تحدثا بوضوح في برامجهما الانتخابية عن أن حصر السلاح بيد الدولة يجب أن يحسم بسرعة، لأنه ينتهك السيادة ويحرج العراق مع محيطه العربي.

وينظم الصدريون اليوم الجمعة التي أسميت «جمعة تغيير المعادلات» صلاة موحدة، داخل المنطقة الخضراء التي استولوا على أجزاء مهمة منها، وبدأوا اعتصاماً مفتوحاً في أكبر تحدٍّ للنظام السياسي، كما يتوقع أن تدخل قوى «حراك تشرين» إلى المنطقة الخضراء، حيث مباني الحكومة والبعثات الدبلوماسية، وقد تعلن شروطها على الصدر لدعم حركة التصحيح.

* بغداد - محمد البصري