منذ تحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم في فبراير 1991، والكويتيون يترقبون أن تتغير أمور بلادهم للأفضل، وقد طال انتظارهم لثلاثة عقود، عاشوا خلالها العديد من خيبات الأمل والإحباط! بل تزايد الفساد، وحدث تراجُع مخيف للبلاد، وكأنما هناك منهج لتصفية البلد وتفكيكه وإنهائه من الوجود بصورة واقعية.

ورغم أن العقود الثلاثة الماضية هي عقود وسنوات عجاف شهدت فساداً مركّباً ساهمت فيه السلطة بداية ورعاية، ومارسته الحكومة مساراً ومنهجاً، وتلوّث فيه معظم أعضاء مجالس الأمة المتعاقبة منذ عام 1992 وحتى اليوم - ولا أبرّئ أحداً - فكلّ كان يسخّر سلطته ونفوذه لمصالحه الشخصية، وهو مكمن الحقيقة في عدم وجود إصلاح حقيقي، وكلٌّ كان يسعى لمصالحه الخاصة والضيقة، فغاب عن الجميع أي برنامج وطني أو أية مبادرة إصلاحية حقيقية، بل شهد الفساد سباقاً ومزايدات محمومة خلال تلك العقود بين السلطة والحكومة ومجالس الأمة، ولم يسلم القضاء من مساوئ هذه المرحلة، ولم يكن للإصلاح وجود حقيقي لا في ممارستهم ولا حتى توجهاتهم، الأمر الذي أركس البلد في أوحال من الفساد، فعُطلت المشاريع ونُهبت الأموال، وتواطأت السلطات، فانهارت القيم وتردّى التعليم وترهّل الجهاز الوظيفي وتآكل، وتعطلت المؤسسات ونخرت من الداخل، وساد الفساد السياسي وويلاته بما فيها من استغلال غير مشروع للنفوذ والانتهازية والمحسوبية والانقضاض على ثروة البلد، ومكوناته وأجهزته ومناصبه، فغابت الجدية وشلّت الرقابة وتوقفت المحاسبة، حتى وصل الأمر إلى أن يتسيّد المواقع القيادية النطيحة والمتردية من غير المؤهلين ولا ‏القادرين، فهزلت الدولة بهم، وصاروا جزءاً من منظومة الفساد وأدواتها.

Ad

ويبدو أنه قد حانت مرحلة الإصلاح وتباشيرها، مع العهد الجديد الذي يسير بخطوات متباطئة، لكنها في المسار الصحيح، ونأمل أن تكون خطواتها جادّة وأسرع، وأن تكون منهجاً لا هبة وتبرئة للذمة!

والإصلاح لا يمكن أن يُجزأ ولا يؤجّل، ولا أن تتم المساومة عليه والمقايضة به، وهو يعني حتمية صلابة وحزم توجهاته في العهد الجديد، فكفى البلد تجريباً وتخبّطاً وتردداً، أفسح المجال للفاسدين، وأصبح خلالها الفساد وثقافته وتبريره وترويجه هو الأمر السائد في البلد، حتى غرقنا فيه وعانينا ويلاته.

‏ولئن كان حل مجلس الأمة خطوة مستحقة في هذا المسار، وهو يشكّل بداية إعادة الأمور إلى مسارها، فينبغي أن يكون الحل في إطار الدستور وتوجهات السلطة بالعودة إلى الأمة، بعد أن شُكلت حكومة انتقالية، لأخذ هذه النقلة على عاتقها، برئيس جديد للوزراء أوجد أجواء للتفاؤل، يتزامن ذلك مع تفكيك الدولة العميقة وشبكتها المتحكمة بالبلد.

ولا مجال للتأخر والتردد بإصلاح النظام الانتخابي، لتهيئة كل السبل لانتخابات نزيهة بنظامها وإجراءاتها وبأحكامها، وبتخليصها من الشوائب العديدة التي نالت منها، ولتكن الدوائر غير الجغرافية عنواناً لإحداث نقلة حقيقية، مع مفوضية عليا للانتخابات، وتطهير الكشوف الانتخابية.

ولتكن منهجية وأسلوب تشكيل الحكومة القائمة على برنامج سياسي واختيار صحيح لأعضائها على أساس القدرة والكفاءة والقوة والإنجاز معبَرَ النقلة المنتظرة بعد الانتخابات، ولانطلاق عجلة بناء الدولة ومؤسساتها وإعادة الاعتبار لها، مع شروع مباشر بمحاسبة الفاسدين بلا هوادة، وبشكل مباشر ومُعلن كسياسة على الأرض لا خطابات خاوية.

فالإصلاح واستحقاقاته لا تُجزأ، وبدايتها تخليص البلد من الغزو الداخلي، الذي تأخّر التخلص منه طويلاً، منذ تحررنا من الغزو الخارجي منذ أكثر من 3 عقود.

وليتم احترام وتكريس نديّة السلطات ومحاسبتها، وتكريس لزوم كل منها حدودها، والرقابة المتبادلة والمتوازنة بينها، وهو ما يعني تطبيق صحيح للدستور ونظامنا البرلماني، بعيداً عن الترزية الذين يسعون إلى تشويهه تحقيقاً لمآرب معلولة.

محمد المقاطع*