لم يتوقع أحد على الأرجح أن يتحدى مايك بنس رب عمله السابق علناً، مع أنه الرجل الذي أشاد سابقاً بدونالد ترامب 14 مرة خلال ثلاث دقائق! لكن عام 2022 ينذر، على ما يبدو، بنشوء عالم جديد وجريء في سياسة حزب الجمهوريين.

في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري في أريزونا، يخوض بنس معركته ضد ترامب. دعم نائب الرئيس السابق كارين تايلور روبسون، متعهدة سابقة ومستشارة في استخدام الأراضي، وقد أصبحت المرشّحة كاري لايك منافِستها الأساسية.

Ad

هذه ليست المرة الأولى التي يختلف فيها بنس عن توجّهات ترامب، لكنها أقوى مواجهة حتى الآن. تعكس المنافسة بين روبسون ولايك معركة أوسع داخل الحزب الجمهوري، بين المعسكر النموذجي الذي يمثّله بنس ويريد الحفاظ على عقلانية الحزب، ومعسكر ترامب المليء بمتعصبين مقتنعين بتزوير الانتخابات.

من خلال دعم روبسون، يريد بنس، على ما يبدو، أن يثبت أن الحزب الجمهوري اليوم يضمّ أميركيين يتقبّلون ترامب، لكنهم لا يحتاجون إلى المصادقة من أحد. سيكون فوز روبسون في أريزونا أداة داعمة لهذه الفرضية.

يحاول بنس إبعاد نفسه عن ترامب منذ فترة، لكنه كان يتصرف بطريقة سلسة ومن دون مهاجمة الرئيس السابق مباشرةً. في فبراير الماضي، قال بنس إن ترامب «أخطأ» حين ادعى أن نائبه السابق كان يتمتع بصلاحيات كبرى، لدرجة أن يقلب نتائج الانتخابات في عام 2020.

وفي مايو، دعم بنس براين كامب لمنصب حاكم جورجيا خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري هناك، مع أن ترامب كان يهاجم كامب منذ فترة وأصرّ على دعم خصمه. في نهاية المطاف، فاز كامب في جميع مقاطعات جورجيا.

لكن بنس يخوض معركة مباشرة من نوع آخر في أريزونا هذه المرة، إذ تبدو المرشّحة التي يدعمها أشبه برسم كاريكاتوري لشخصيات الحزب الجمهوري التقليدية: إنها شخصية مملة وثرية جداً ومحافِظة لأقصى حد. تتحدر روبسون من عائلة سياسية، وكانت حذرة حين أطلقت شعار «أوقفوا السرقة» الذي اشتهرت به، فقالت إن انتخابات عام 2020 «لم تكن عادلة»، لكنها لم تذهب إلى حد المطالبة بإبطال نتائجها.

في المقابل، تبدو لايك النسخة النسائية من ترامب، فهي قالت خلال تجمّع انتخابي منذ أيام: «دونالد ترامب علّمنا كيفية القتال، وأنا دوّنتُ بعض الملاحظات منه»! كانت لايك مذيعة في قناة تابعة لشبكة «فوكس» طوال 27 سنة، وهي تتمتع بنجومية معينة ينجذب إليها الناخبون بكل وضوح.

تتمحور حملة لايك كلها حول الكذبة القائلة إن ترامب، لا بايدن، هو الفائز في عام 2020.

صرّحت لايك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» الشهر الماضي: «كانت الانتخابات مزوّرة وفاسدة، ويقبع رئيس غير شرعي اليوم في البيت الأبيض».

قد يميل البعض إلى اعتبار دعم بنس لمنافِسة لايك تعبيراً عن رغبته في حماية الديمقراطية. لكن تحمل دوافعه الحقيقية طابعاً أكثر انتهازية.

في المقام الأول يريد بنس، من خلال دعم روبسون، أن يثبت أنه صاحب قراراته وليس مجرّد تابع لترامب، ما يعني أنه قد يترشح على الأرجح للرئاسة مجدداً في عام 2024، رغم تراجع شعبيته وسط الناخبين.

لكن بنس يحاول في الوقت نفسه أن يحدّ من الأضرار السياسية الخطيرة قدر الإمكان. هو يسعى إلى إطلاق مسار مختلف لأعضاء حزبه، بطريقة حذرة ومنهجية، لإبعادهم عن المواقف الرنانة وحملة إنكار نتائج الانتخابات التي يمثّلها ترامب.

غرّد بنس منذ أيام: «يريد البعض أن تتمحور هذه الانتخابات حول الماضي، لكن تتعلق الاستحقاقات الانتخابية بالمستقبل دوماً. إذا سمح الحزب الجمهوري لنفسه بالانغماس في مشاكل الماضي، فستكون خسارتنا حتمية».

برأي باريت مارسون، خبير استراتيجي جمهوري في أريزونا، لا تهدف مواقف بنس إلى مهاجمة الرئيس السابق، بل إنه «قرر ألا يدعم كاري لايك لأنها مجنونة بكل بساطة».

من الواضح أن الناخبين الذين كانوا على هامش الحزب الجمهوري أصبحوا اليوم محوراً له، وهم يتولون اتخاذ أهم القرارات.

تقول سارة لونغويل، خبيرة استراتيجية من الحزب الجمهوري: «يشعر المسؤولون القدامى في الحزب بقلق شديد من تفوّق المبتدئين عليهم».

قد يفرض هؤلاء المبتدئون أعباءً سياسية كبرى. تتفوق لايك على روبسون في استطلاعات الرأي الأولية، لكن ستُحقق روبسون نتائج أفضل بكثير في الانتخابات العامة ضد مرشّحة الحزب الديموقراطي المحتملة، كايتي هوبس.

في غضون ذلك، يخوض الجمهوريون المدعومون من ترامب منافسات محتدمة أو يخسرون السباق أمام الآخرين، بما في ذلك هيرشل واكر في جورجيا، ودوغ ماستريانو ومحمد أوز في بنسلفانيا. توضح لونغويل: «يرتفع عدد المرشحين المقتنعين بنظريات المؤامرة لدرجة أن يطرحوا المخاطر على الجمهوريين في بيئة يُفترض أن تصبّ في مصلحتهم».

سيكون فوز روبسون كفيلاً بدعم الفكرة القائلة، إن بنس وحلفاءه القلقين من ترامب استرجعوا السيطرة على الحزب الجمهوري. لكنها فكرة غير مقنعة في هذه المرحلة.

سبق وترسّخت مظاهر «الترامبية» في عمق الحزب الجمهوري: حتى الشخصيات المرموقة التي تفوز في الانتخابات التمهيدية سيطغى عليها عدد هائل من الجمهوريين المقتنعين بنظريات المؤامرة أو من رافعي شعار «أوقفوا السرقة» في انتخابات نوفمبر، علماً أن جزءاً كبيراً منهم قد يفوز في الانتخابات في المناطق المحسوبة على الجمهوريين.

في أريزونا، يتوقع تشاك كوغلين، خبير استراتيجي في الحزب الجمهوري، أن يصل هذا النوع من المرشحين لعضوية مجلس النواب ومجلس الشيوخ إلى السلطة بسهولة.

من الواضح أن خيارات المرشحين الجمهوريين باتت قريبة من توجهات ترامب. وحتى روبسون، التي تُعتبر من اختيار المعسكر التقليدي في الحزب، اعترفت بأن انتخابات عام 2020 لم تكن عادلة. تطالب قاعدة الناخبين في الحزب الجمهوري بأن يكرر قادتهم تلك الأكاذيب المنتقاة، وينشروا نظريات المؤامرة، والأهم من ذلك هو إبداء استعدادهم لإثارة استياء الليبراليين.

لا يبحث هؤلاء الناخبون عن مسؤولين محافظين عقلانيين ومتديّنين، من أمثال مايك بنس، بل إنهم يؤيدون أتباع ترامب مثل حاكم فلوريدا، رون ديسانتيس، وحاكمة جنوب داكوتا، كريستي نويم.

تقول لونغويل: «أنا لا أرى أي أغلبية مُنهَكة، بل أرى مجموعة حيوية من ناخبي ترامب المصمّمين على إيجاد شخصية صاخبة أخرى».

علّق بنس منذ أيام على قوة نزعة روبسون المحافِظة أمام حشد من 350 شخصاً في مصنع للمعدات التكتيكية خارج «فينيكس»، فتكلم طوال عشرين دقيقة «بأسلوب ضمني لافت»، وفق مقالة في صحيفة «أريزونا ريبابلك».

لكن تزامناً مع خطاب بنس، تجمّع الآلاف من مناصري ترامب على بُعد أميال شمالاً. لقد حضروا من بلدات مجاورة وولايات بعيدة، وانتظروا في صفوف طويلة رغم درجات الحرارة الحارقة لدخول «مركز فيندلاي تويوتا».

أصغى الحاضرون طوال ساعات لخطابات لايك وأعضاء آخرين من الفريق الذي يدعمه ترامب في أريزونا، بما في ذلك المرشّح لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي بلايك ماسترز الذي أعلن أنه يريد فتح تحقيق عن أنتوني فاوتشي ومحاكمته، والمرشّح لمنصب وزير الخارجية مارك فينشم، الذي دعا منذ أيام إلى إبطال نتائج انتخابات أريزونا واعتقال خصومه السياسيين.

حين صعد ترامب أخيراً إلى المسرح، قوبل بتصفيق حار، ثم قال في بداية خطابه: «أنا ترشّحتُ مرتَين وفزتُ مرتَين، وحققتُ نتائج أفضل في المرة الثانية. قد نضطر الآن لتكرار الإنجاز نفسه». عَلَت هتافات الحشود في تلك اللحظة.

* إيلين غودفري

The Atlantic