دخلت فرنسا حالة يمكن اعتبارها شكلاً من الشلل السياسي، وخلال الانتخابات الرئاسية في أبريل الماضي، هزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منافِسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان وحصد 58.6 في المئة من أصوات الناخبين، لكن خلال الانتخابات التشريعية في يونيو، فشل ائتلاف ماكرون اليميني الوسطي في كسب الأغلبية في «الجمعية الوطنية» المؤلفة من 577 عضواً. فاز «التجمع الوطني» الذي تقوده لوبان بـ87 مقعداً، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الحزب ويفوق مقاعده السابقة بأكثر من عشر مرات. في المقابل، فاز حزب «الجمهوريون» المحافِظ بـ64 مقعداً، وحصد ائتلاف مؤلف من أربعة أحزاب يسارية، أي «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد» بقيادة السياسي اللاذع والعدائي جان لوك ميلانشون، 131 مقعداً، وقد أسفرت هذه النتائج عن نشوء أكثر البرلمانات انقساماً في فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة في عام 1958.

لم يتوقع عدد كبير من المراقبين أن يُحقق حزب «النهضة» (وهو الاسم الجديد الذي اختاره ماكرون لحزبه) الوعود التي تحملها هذه التسمية الجديدة خلال الانتخابات التشريعية. لم تتراجع الفجوة بين ماكرون ولوبان منذ عام 2017 فحسب (فاز الرئيس حينها بأكثر من 66 في المئة من الأصوات)، بل خاض ماكرون أيضاً حملة تشريعية كانت ضعيفة، ثم أصبحت مثيرة للجدل، انتظر الرئيس أسابيع عدة قبل تعيين إليزابيث بورن التكنوقراطية كرئيسة للحكومة، وحاول في الوقت نفسه أن يبقى بعيداً عن المشاحنات المباشرة، لكن سرعان ما أصبحت محاولات التمسّك بهيبته الرئاسية إثباتاً آخر على غطرسته الفائقة، فبدأ حملة الفوز في الانتخابات واعتبر ائتلاف ميلانشون غير ديموقراطي بقدر «التجمع الوطني» الذي تقوده لوبان.

Ad

لكنّ نتيجة الانتخابات، حيث امتنع 54 في المئة من الناخبين عن التصويت، صدمت المراقبين السياسيين، حيث وصفت صحيفة «لو فيغارو» المحافِظة تلك النتائج بأنها «قفزة نحو المجهول»، وحذّر منظّم الاستطلاعات جيروم فوركيه من احتمال أن تصبح فرنسا «غير قابلة للحُكم». وفي صحيفة «لوموند» الليبرالية، عبّرت رئيسة التحرير فرنسواز فريسو عن قلقها من أن يؤدي هذا «الزلزال» الانتخابي إلى تجريد البلد من قوته. وحتى بورن، التي فازت بفارق ضئيل ضد مرشّح يساري غير معروف، أكدت على الطابع الاستثنائي لهذه الأحداث وحذرت من أن «يطرح هذا الوضع غير المسبوق خطراً على بلدنا».

يعيش عدد كبير من الأوروبيين في أنظمة ديموقراطية برلمانية، حيث تُعتبر التحالفات والتسويات شائعة، وقد تبدو لهم هذه التحليلات مثيرة للقلق، لكن بالنسبة إلى فرنسا المعاصرة، يبقى هذا الوضع استثنائياً وخطيراً. أدت الأنظمة البرلمانية المتقلّبة إلى شلّ فرنسا في الماضي، لذا سعى البلد في آخر ستة عقود ونصف إلى بناء مؤسسات سياسية، حيث تنتج الانتخابات فائزين واضحين، لكن بعد فترة طويلة من القيادة القوية، عادت البرلمانات المنقسمة إلى الواجهة.

تتلاحق هذه الأحداث كلها في أسوأ الأوقات، تواجه فرنسا اليوم تداعيات الحرب في أوكرانيا ومخاطر التغير المناخي وتنامي النزعة المعادية لليبرالية في أنحاء أوروبا، وهي تحتاج إلى حكومة قادرة على قيادة الدولة في هذه الظروف المضطربة، لكنها تشمل الآن هيئة تشريعية لا تُوحّدها إلا معارضتها للرئيس ويملك فيها اليمين المتطرف نفوذاً غير مسبوق.

انضمّ «التجمع الوطني» إلى خصومه للتصويت ضد بنود أساسية في أجندة ماكرون، لا سيما قدرة الدولة على إعادة فرض القيود المرتبطة بأزمة كورونا على من يغادرون البلد أو يصلون إليه. هذا الإخفاق المبكر يسيء إلى بنود أخرى في أجندة ماكرون المحلية، فقد يعوق إصلاح نظام التقاعد أو زيادة قدرة فرنسا على إنشاء نظام برلماني فاعل.

كذلك، لا تنذر هذه الظروف بمسار إيجابي لأجندة ماكرون الدولية، إذ لا يزال الرئيس يسيطر على السياسة الخارجية كجزءٍ من صلاحياته المحفوظة، لكن مكانته العالمية أصبحت أكثر ضعفاً بعد خسارته جزءاً من الدعم المحلي. هذا الضعف لا يطرح مشكلة بسيطة على ماكرون، فهو أوضح أنه يطمح إلى جعل أوروبا لاعبة أساسية على الساحة الدولية. تأتي هذه المشاكل المستجدة لتزيد الاضطرابات السابقة سوءاً. لا يسهل التوفيق بين دعوة ماكرون إلى «تحرّك أوروبا بشكلٍ قوي وسريع لتحقيق أكبر الأحلام»، وجهوده المستمرة (والعقيمة في معظمها) للتواصل مع فلاديمير بوتين قبل الغزو الروسي لأوكرانيا وبعده. في الوقت نفسه، لم يستفد ماكرون من الانتظار حتى 16 يونيو لزيارة أوكرانيا أو منح كييف مساعدات عسكرية ضئيلة نسبياً، لقد أصبح اليوم في موقعٍ ضعيف لا يسمح له بمساعدة فرنسا على معالجة أزمات العالم بطريقة بنّاءة.

لا يعني ذلك أن مكانة ماكرون الدولية تدمّرت، فهو حصد الإشادة بعد ترؤسه الاتحاد الأوروبي لستة أشهر. لكن جاءت معظم المواقف الإيجابية من خارج فرنسا. في المقابل، يشعر جزء كبير من الفرنسيين بالقلق من زيادة التضخم وضعف القوة الشرائية. تقضي أول مهمة على عاتق حكومة بورن بالتوصل إلى تسوية حول حزمة الاقتراحات الرامية إلى مساعدة المستهلكين الفرنسيين، لكن نظراً إلى اختلاف الآراء الاقتصادية بين معسكرَي اليمين واليسار (يفضّل الطرف الأول رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة الإعانات للعائلات، لكن يحاول الطرف الثاني تخفيض الإنفاق والضرائب على إمدادات الغاز)، لا أحد يعرف بعد الجهة التي ينوي ماكرون وبورن الاتفاق معها أو تداعيات هذه الخطوة لاحقاً. في الوقت الراهن، يجب أن تعالج الحكومة أكثر من 1100 تعديل سبق وطرحتها أحزاب المعارضة رداً على مشروع القانون المقترح.

قد تترافق مشاكل البلد المرتبطة بالتضخم مع عواقب وخيمة على مستقبل السياسة الفرنسية، لأنها تصبّ في مصلحة اليمين المتطرف مع مرور الوقت: ساعدت المشاكل المالية حزب لوبان على تحقيق إنجازه الكبير في الانتخابات مثلاً، ومنذ تأسيس الحزب الذي كان يحمل سابقاً اسم «الجبهة الوطنية»، ظن المراقبون السياسيون أن اليمين المتطرف سيبقى حزباً هامشياً في جميع الظروف. في البداية، كان هذا الحزب يميل إلى استعمال العنف، ويَحِنّ إلى نظام فاشي، ويحمل نزعة استبدادية، لكن من الواضح أنه بدأ يتخذ منحى طبيعياً اليوم. كانت لوبان مُحقة حين اعتبرت أداء حزبها في الانتخابات «إنجازاً تاريخياً». في 30 يونيو الماضي، حصد «التجمع الوطني» ما يكفي من أصوات الأحزاب اليمينية الأخرى لكسب اثنَين من مناصب نواب رئيس البرلمان الستة: إنها مناصب مهمة، لأنها تساعد الرئيس على تنفيذ جدول أعماله والإشراف على النقاشات داخل المجلس.

في هذا السياق، كتبت الصحافية إيلين سالفي على موقع «ميديا بارت» الاستقصائي: «احتاج اليمين المتطرف إلى أسبوع واحد، لا أكثر، لترسيخ مكانته في الجمعية الوطنية».

كان نجاح «التجمع الوطني» ردة فعل على التضخم المتزايد، لكنه ينجم، ولو جزئياً، عن جهود لوبان الرامية إلى تخفيف صورته المتطرفة، فقد أقالت النازيين الجدد والمعادين للسامية من صفوف الحزب وعدّلت مواقفه في المسائل الاجتماعية والاقتصادية. على سبيل المثال، تدعم لوبان اليوم حق الإجهاض (مع أنها تعارض استرداد كلفة هذه العملية من الدولة)، ولم تعد تجاهر بفكرة انفصال فرنسا عن الاتحاد الأوروبي.

لكن يقف الاعتدال المستجد عند هذا الحد. لا تزال لوبان تدعم منع الحجاب في الأماكن العامة، وهي تجاهر بما تسمّيه «الأولوية الوطنية» التي تمنع المقيمين في فرنسا من البحث عن عمل أو شراء منزل أو تلقي الرعاية الصحية والمنافع الاجتماعية إذا كانوا لا يحملون الجنسية الفرنسية، كذلك، تؤيد لوبان الاستفتاءات الشعبية حول معظم المسائل التي تشغل الناخبين، لكنها تستعمل هذه الآلية في المقام الأول خدمةً لقضايا معسكر اليمين. أعلنت لوبان حديثاً أنها قد توافق على استفتاء لإعادة فرض عقوبة الإعدام في فرنسا (إنها قضية حساسة في بلدٍ اخترع المقصلة)، لكنها تراجعت عن موقفها في اليوم نفسه.

نظراً إلى استمرار ميول لوبان المتطرفة، لا عجب في أن يعتبر جوليان بايو، رئيس حزب «الخضر»، حصول «التجمع الوطني» على اثنَين من مناصب نواب رئيس البرلمان «أمراً لا يُصدَّق». لكن جميع الخيارات المستحيلة أصبحت ممكنة في فرنسا اليوم. قد يلجأ ماكرون مثلاً إلى أخطر خيار، فيقرر حل الجمعية الوطنية ويدعو إلى إجراء انتخابات جديدة، وقد يظن الرئيس أن هذه الخطوة ستُحسّن مكانته، لكن تبقى الانتخابات رهاناً شائكاً، وقد يخسر حزبه الأكثرية إذا أعاد ماكرون الناخبين الفرنسيين المستائين إلى صناديق الاقتراع.

في المقابل، ربما يصبح «التجمع الوطني» أكبر حزب في مرحلة معينة إذا تابع صعوده السريع. حتى انه قد يفوز بالأغلبية المطلقة. (من الممكن أن يساعده الائتلاف اليساري عن غير قصد إذا اعتبره الناخبون تخريبياً بدل أن يكون بنّاءً، كما حصل في تصويت حجب الثقة). وبما أن «التجمع الوطني» بدأ يتحول إلى حزب طبيعي له قبول وسط الناس، لا أحد يستبعد أن تصل أول امرأة إلى رئاسة فرنسا في عام 2027: مارين لوبان.

* روبرت زاريتسكي

Foreign Affairs