مبادرة الإصلاح السياسي التي أطلقها سمو ولي العهد في خطابه نيابة عن سمو الأمير، ينبغي ألّا تكون خطاب إبراء للذمّة، كما هو المعتاد بخطابات السلطة وحكوماتها في العقود الأربعة الماضية.

ولئن جاء خطاب ولي العهد بمضامين مختلفة وإقرارات محقّة، وتعهدات وتطمينات مجدية، وحدد مسارات لمبادرة إصلاحية واعية، فإنّ ذلك كله يتطلب لزوماً أن يتم تجسيد ذلك بخطوات عملية حتمية، فلئن كان من لزوم الإصلاح السياسي أن يكون بإرادة وقرار سياسي فيصلي، فإنّ لزوم تحقيقه يوجب أن يحظى هذا القرار بالبيئة المناسبة لتحقيقه والدعم المباشر لإنجاحه، وهو يستلزم بالضرورة أن تتوجه الحكومة للأخذ على عاتقها الخطوات اللازمة لإنجاحه، وهي تتلخص في الأمور الآتية:

Ad

- كفّ أيدي وزراء الحكومة السابقة عن ممارسة أي أعمال أو اختصاصات، لزوال صفتهم بتعيين خلَفٍ لرئيسهم، حسب المادتين 103 و104 من الدستور، وهو ما أكدته المحكمة الدستورية في حكمها سنة 2012، حتى لا نواجه حكماً مماثلاً لزوال الصفة الوزارية.

- حلّ مجلس الأمة بعد تشكيل الحكومة الجديدة (والتي قد تكون مصغّرة - 9 وزراء)، والحرص على السلامة القانونية لإجراءات الحل والانتخابات.

- إعادة مناخ الحريات للبلد، بإنهاء حقبة التضييق على الحريات بشكل عام وحرية الرأي والحريات الإعلامية بشكل خاص، وذلك بالتعجيل بإلغاء القوانين المكبّلة للحريات، أو على أقل تقدير وقف الملاحقات الأمنية والإحالات للنيابة بتطبيق تخويفي لقوانين تفرّغ الدستور من ضماناته وكفالته للحريات، لتمكين الصحافة من الانطلاق بلا خوف أو رهبة، وهذا توجّه تملكه الحكومة ضمن صلاحياتها.

- تطهير الانتخابات من الشوائب التي شوّهتها لعقود عديدة، مثل تقسيم البلد على أسس عصبيات فئوية ممزقة للوحدة الوطنية.

- التصدي الحازم للجرائم الانتخابية التي تُرتكب جهاراً نهاراً، مثل الانتخابات والتصفيات الفرعية، وشراء الأصوات، والعبث بكشوف الناخبين والتخاذل عن تطهيرها، وابتسار حق الناخب بتجزئته للتحكم بمخرجات الانتخابات، وغيرها.

- تبنّي نظام انتخابي وطني يلغي كل أسباب شرذمة المجتمع والعصبيات القبلية والطائفية والمناطقية والفئوية، وانعكاسها بخطابات فئوية وعصبية بغيضة، ويكون ذلك بتبنّي نظام دوائر لا جغرافية على أساس عشوائي وفقاً ليوم ميلاد الناخب، وبثقل انتخابي متماثل للصوت الانتخابي الواحد، للفرد وللقائمة، بتمثيل نسبي وفقاً للحد الأدنى لأصوات النجاح (10 بالمئة مثلاً من الأصوات الصحيحة بكل دائرة).

- إنشاء الهيئة الوطنية العليا للانتخابات، وضمان استقلالها عن كل السلطات وحياديّتها ووضع الشخصيات المتوافرة فيها ضمانات النزاهة، ومنحها جميع الصلاحيات للإشراف على الانتخابات في جوانبها وتفاصيلها كافة.

- التزام الحكومة الحياد في كل ما يتعلق بانتخابات مجلس الأمة ومراقبتها لتعزيز الممارسة الانتخابية المسؤولة التي شهدناها أعوام 1962، 1963، 1971، 1975.

وخلاصة لكل ما سبق، نتمنى على رئيس الوزراء، في ظل توجهات العهد الجديد، أن يكون نهجه مغايراً، وأن يدشّن ذلك بمتطلبات الإصلاح التي ذكرناها آنفاً، حتى لا نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة، وتذهب مبادرات الإصلاح التي تفاءل الناس بها، أدراج الرياح، فينطبق علينا المثل الشعبي الموجع «لا طبنا ولا غدا الشرّ».

محمد المقاطع *