لفتني خبر نشرته «الجريدة» بتاريخ 3/7/2022 مفاده تحذير «بيل نيلسون» رئيس وكالة الفضاء والطيران الأميركية «ناسا» من برنامج الفضاء الصيني الذي اعتبره برنامجاً عسكرياً قد يؤدي إلى سباق جديد نحو الفضاء، مما خشي معه من أن «تهبط الصين على سطح القمر، وتقول: هذا لنا الآن، وأنتم ستبقون خارجه».

هذا التصريح، ذكّرني بتفصيلين مطبوعين بشكل بارز على جدران ذاكرتي، أحدهما طريف سمعته في صغري من كبار العائلة، والآخر عميق عشت تفصيله في شبابي وقد سبق أن رويت تفاصيله بين سطور مقال نشرته بتاريخ 11/2/2021 بعنوان «مسبار الأمل».

Ad

الطرفة التي أستذكرها يعود تاريخ حدوثها إلى نهايات القرن التاسع عشر حينما عزم أحد البسطاء من قريتي الجبلية على زيارة أقارب له في سهل «البقاع» لأول مرة في حياته، فانطلق في رحلته الراجلة الطويلة في أواخر ليل غَبشٍ تَشَارَك في إنارته هلال عسعس وفجر تنفَّس، واستمر في المسير أياماً عديدة قضى نهاراتها جَدّاً برفقة حصانه وأمضى لياليها نوماً من شدة التعب، فلم ينتبه إلا وقد وصل إلى مقصده في ليلة منيرة يتوسط سماءها بدر مكتمل ساهم في جلاء ظهوره وبهاء نوره انبساط السهل الواسع تحت مدى شعاعه، الأمر الذي دفع الزائر لأن يفاجئ مستقبليه بقوله -مثنياً ومستغرباً- «قمركم أكبر من قمرنا»!

أما عن الحدث الشخصي، فمحوره حديث شيّق دار بيني وبين أحد المشردين على ضفاف أحد الأنهار أيام دراستي في فرنسا، حيث باغتني بسؤال العارفين عن مضمون الكتاب الذي بدا له أن سطوره سلبتني ممّا يدور حولي؟ فأجبته بلطف عن تعلّقه بـ»حقوق الانسان»، فما كان منه إلا أن توسّع مبتسماً وساخراً في شرح رؤيته عن «أنسنة العلوم»، معتبراً أن الدول تتنافس في سبر أغوار الفضاء وبنو البشر يحلقون بأبصارهم نحو السماء لاهين عن الفقراء والمساكين الذين يئنّون بالجانب منهم، أو يلقيهم البؤس على مقربة من أقدامهم دون أن ينتبهوا لذلك.

وهكذا، حِرتُ، عند قراءتي الخبر وتجدد التهويل -على قاعدة بييّ أقوى من بيّك- بعدم السماح لهذا الفريق أو ذاك بالسيطرة منفرداً على سطح القمر، بما يمكنني أن أصف الحال: أهي طرفة من طرَف القرن الحادي والعشرين تنافس في ظرفها مقولة القروي في زمن البساطة الفطرية والجهل المعرفي؟ أم هي إضافة جديدة إلى قائمة المبررات التي تؤكد صواب محدّثي المشرّد؟!

فمع ازدياد معدلات التضخم وارتفاع نسب البطالة وتوسع رقعة الجوع والفقر عالمياً، ومع تربع الملف الاقتصادي والأمن الغذائي على قمة الأولويات الدولية، ومع تهّيب شعوب الأرض من تطور الصراع الروسي- الغربي إلى حرب عالمية بنزعة نووية، ومع الاستشراس في السيطرة على منابع وإمدادات النفط والغاز والتنافس لإيجاد مصادر طاقة بديلة، يبدو أن الغزو الفضائي ما زال يحتل مكاناً بارزاً ومكانة مرموقة في أولويات الدول العظمى، حيث لا شك أن أبعاده تتعدى تحقيق المقاصد الاستكشافية والفوائد العلمية لتحتل نزعة الهيمنة الاستراتيجية صدارة الغايات من المنافسة الدولية على القمر وأخواته.

لا شك أن للمنافسة الفضائية بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السابق فوائد كثيرة على العالم والبشرية، حيث برز أثناء النقاش في ثمانينيات القرن الماضي عن المنافع الاجتماعية والاقتصادية لهذا التنافس منطق مقبول يبرره، وهو الاستخدام العملي للفضاء كأرضية لتحسين الحياة على سطح الأرض، ولاسيما أن الفوائد من برامج الاستثمار في الفضاء قد تجلّت بنتائج ملموسة في عدة مجالات من بينها الملاحة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد، ناهيك عن الفائدة المباشرة المتمثلة في محاولات استكشاف بدايات الكون وفهم تركيبته وتأثير الكواكب وشموسها على كوكب الأرض ومناخه وعلى صحة وسلامة من يستوطنه.

مقابل ذلك، فإن التقدم العلمي والتطور التكنولوجي في مجال استكشاف الفضاء، ورغم ما شكله من مصدر إلهام للمجتمع العلمي من طلاب وباحثين وعلماء، قد سلب كثيراً من الجهد والاهتمام والمال من درب العلوم الأرضية الأكثر ارتباطاً وتماساً مع حاجات البشر الفعلية، كما ساهم في حرمان الملايين من العطشى والجوعى من سكان المناطق الجافة والنائية والملايين من البؤساء من قاطني المستوطنات البشرية الموبوءة والفقيرة، من فرص الانتفاع من جهود التغلب على قسوة المناخ وتحسين شروط العيش، وهذا ما نشهد عليه كل يوم في مختلف أصقاع الأرض!

صحيح أن الله عزّ وجلّ «عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» ولكن الثابت أيضاً قسمه بالعصر «إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ».

* كاتب ومستشار قانوني

د. بلال عقل الصنديد