تحمل الطاقة النووية تاريخاً متقلباً في كوريا الجنوبية، فبالإضافة إلى مظاهر المساواة بين الجنسين، وحلول الإسكان، وخطط التعافي من أزمة كورونا، تتوسّع الخلافات السياسية هناك على خلفية دعم محطات الطاقة النووية، حيث يؤيد أكثر من 70% من المحافظين توسيع نطاق الطاقة النووية، لكن 70% من التقدميين تقريباً يعارضون هذا التوجه، حتى أن استطلاعاً شهيراً يستعمل موقف المشاركين من المسألة النووية كمعيار أساسي لتحديد انتماءاتهم السياسية والأيديولوجية.

يعتبر المحافظون الطاقة النووية طريقة لإثبات براعة البلد التكنولوجية، فيتكلمون عن زيادة الصادرات وتسريع المسار نحو حياد الكربون، وفي المقابل يُركّز التقدميون على سلبيات الطاقة النووية، فلطالما تأثّر القطاع النووي في كوريا الجنوبية سلباً بسوء السجلات البيئية وعمليات الابتزاز والاحتيال على مستوى السلامة العامة.

Ad

لكن القطاع النووي يشهد اليوم موجة من التفاؤل، فقد تعهد الرئيس يون سوك يول بتحويل البلد إلى «قوة عظمى في مجال المفاعلات النووية»، واستناداً إلى الخطط المقترحة، ينوي يون توسيع محطة «شين هانول» وإطالة مدة تشغيل 18 محطة أخرى للطاقة النووية، وإذا تحققت هذه الخطط بلا مشكلة، فقد تغطي الطاقة النووية حتى 35% من استهلاك كوريا الجنوبية بحلول عام 2030، ويتوقع يون أن يسمح الانتقال التدريجي إلى الطاقة النووية بتخفيف اتكال البلد على الوقود الأحفوري بنسبة الثلثَين تقريباً من مستوى استهلاك الطاقة المحلي، فقد تسهم سياسة الطاقة التي يطرحها الرئيس في بلوغ حياد الكربون في عام 2050، لكنها تتأثر أيضاً بتقلبات أسعار النفط، واضطراب إمدادات الغاز الطبيعي، وقد تبرز الحاجة إلى اكتساب الاستقلالية في قطاع الطاقة.

رحّب قطاع الطاقة في كوريا الجنوبية بالتطورات الأخيرة والمشاريع الجديدة باعتبارها «نهضة» حقيقية في هذا المجال المتعثر، وفي حين تحاول أوروبا تجاوز شحّ مصادر الطاقة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، وتبحث عن بدائل عن الغاز الروسي، يتوقع الخبراء النوويون أن تُرسّخ كوريا بصمتها الإقليمية بفضل تعاونها مع الولايات المتحدة في هذا القطاع. زار رئيس شركة Korea Hydro & Nuclear Power فنلندا في منتصف شهر يونيو لإقناع هذا البلد الشمالي بتقبّل مفاعلات كوريا الجنوبية التي تحاول فصل نفسها عن مصادر الطاقة الروسية وزيادة طاقتها النووية من 34% إلى 60% من إجمالي إنتاج الطاقة، كذلك تأمل إدارة يون استمالة المملكة العربية السعودية التي تراقب الوضع وتبحث عن مفاعلات خارجية، وفي غضون ذلك بدأت مكانة كوريا الجنوبية تترسخ في المجال النووي بعدما أشادت الإمارات العربية المتحدة بمحطة «براكة» التي بَنَتها كوريا لتوليد الطاقة هناك واعتبرتها «مشروعاً أساسياً لتحويل الإمارات إلى مُنتِجة كبيرة للطاقة النظيفة».

لكن رغم الآمال المتجددة، يبدو الطريق شاقاً أمام يون وقطاعه المفضّل، كما تتعلق مشكلة وشيكة بإيجاد المواقع المناسبة لمعالجة الوقود المستهلك والتخلص منه، فداخل المفاعل النووي، يمرّ اليورانيوم بعملية انشطار، أي تجزئة الطاقة لتحويلها إلى كهرباء، ويتحول جزء من المنتجات الثانوية وبقايا اليورانيوم في نهاية المطاف إلى مخلفات إشعاعية عالية المستوى، تتطلب هذه الأشعة الحارقة والثاقبة تقنيات معالجة متطورة وتدابير وقاية مكثفة لمنع التلوث الإشعاعي.

لكن تذكر وزارة التجارة والصناعة والطاقة في كوريا الجنوبية أن المحطات النووية المحلية تُخزّن في الوقت الراهن وقودها المستهلك في منشآت مؤقتة، نظراً إلى فشلها المتكرر في إيجاد مواقع مناسبة للتخلص منه، وبدءاً من عام 2031، ستصل المفاعلات إلى سعة تخزينها المؤقتة بوتيرة متلاحقة، وحتى لو نجحت إدارة يون في إقناع بلدات معينة باستضافة مواقع للمخلفات، تبرز عوائق من نوع آخر، وبما أن السلطات معتادة على تنفيذ هذه العمليات في مواقع مؤقتة، يذكر تقرير الوزارة أن الحاجة باتت مُلحّة لتأمين تقنيات خاصة بالنقل والتخزين والتخلص من المخلفات واستدعاء تقنيين إضافيين.

لكن كلما اقترحت الحكومة بناء موقع دائم للتخلص من المخلفات، فشلت محاولاتها بسبب غضب السكان الذي يتخذ منحىً عنيفاً أحياناً أو عمليات التفتيش البيئي، ولهذا السبب، أمضت الحكومة 19 سنة في الماضي وهي تتفاوض لإنشاء موقع للتخلص من المخلفات الإشعاعية بالقرب من مدينة «جيونجو»، لكن تبقى هذه المنشأة منخفضة أو متوسطة المستوى أيضاً. ومن المتوقع أن تزداد شراسة المعارضة لمتطلبات القطاع، لا سيما إنشاء موقع تخزين عالي المستوى للمخلفات الإشعاعية، ووفق تقديرات وزارة التجارة والصناعة والطاقة في كوريا الجنوبية، قد يتطلب تركيب وتشغيل منشأة دائمة ورفيعة المستوى 37 سنة، وقبل بلوغ تلك المرحلة، قد تغرق محطات الطاقة النووية في كوريا الجنوبية بالمخلفات الميدانية.

وفي غضون ذلك، تتأثر وجهة الرأي العام وعواقب الحوادث المحتملة بصغر الأراضي في كوريا الجنوبية وحجم كثافتها السكانية، ويبلغ متوسط عرض البلد بين الشرق والغرب نحو 300 كيلومتر، مما يعني أن أي كوارث إشعاعية قد تؤثر تقنياً على السكان كلهم، ونظراً إلى قرب موقع البلد من منعطف فيه أربع صفائح تكتونية، تتعرّض كوريا الجنوبية لسبعين هزة أرضية تقريباً كل سنة.

أجبرت القيود الجغرافية ونفور السكان من المشاريع النووية الحكومة على حصر مفاعلاتها في الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة، وتشمل هذه المنطقة أصلاً أكبر تجمّع للمحطات النووية في العالم، مما يجعلها أكثر عرضة للذوبان النووي الجماعي، فقد سبق أن زعزع أكبر زلزالَين في تاريخ البلد هذه المنطقة، لكن لم يقع أيٌّ منهما في جوار محطات الطاقة النووية لحسن الحظ.

في شهر مارس الماضي، اشتعلت النيران بالقرب من فناء محطة «هانول» التي تتحكّم في توليد الكهرباء ونقلها، مما أدى إلى تعطيل جزءٍ من خطوط الكهرباء، كذلك تجنّب البلد انقطاعاً كارثياً للكهرباء عبر إرسال معظم سيارات الإطفاء المحلية إلى محطات الطاقة النووية، لكن ذلك حصل على حساب الحياة البرية وأماكن إقامة المدنيين، فكانت المشاهد التي عرضتها قنوات التلفزة الوطنية حول تلك الكارثة كفيلة بتشويه صورة الطاقة النووية بنظر الرأي العام، ومن المتوقع أن تزداد حرائق الغابات والعواصف شيوعاً بسبب التغيّر المناخي، وبما أن معظم النباتات تقع في المساحات الجبلية على طول الخط الساحلي الشرقي، يُعبّر البعض عن قلقه من تحوّل كوريا الجنوبية إلى نسخة جديدة من فوكوشيما.

خلال كارثة فوكوشيما النووية في عام 2011، دمّرت هزة ضخمة خطوط الكهرباء وأغرق التسونامي الذي تَبِعها المولدات الاحتياطية، وفي ظل غياب الكهرباء لتبريد المفاعلات الثلاثة، بدأت المراكز النووية تذوب ولم يتّضح حتى اليوم حجم الأضرار التي سبّبتها تلك الكارثة، وعندما قلبت هذه الحادثة الرأي العام العالمي ضد الطاقة النووية في تلك الفترة، كان يسهل أن يعارض المزيد من سكان كوريا الجنوبية مساعي الحكومة النووية في ظل تفاقم الكوارث الطبيعية محلياً.

وتظهر في الوقت نفسه مشاكل أخرى من الداخل، فلا يزال هذا القطاع غارقاً في الفساد والابتزاز وقلة الشفافية، مما يزيد الشكوك في مستوى السلامة العامة، فعلى سبيل المثال، شهدت بلدة «أولجين» الساحلية، التي تقع في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة وتشمل ثمانية مفاعلات، نحو مئة حادث منذ عام 1988، وللتعامل مع هيئة مدنية محلية تُعنى بمراقبة الإشعاعات المتزايدة، اعتادت السلطات الاستخفاف بهذه الظواهر واعتبارها جزءاً من تداعيات كارثة «تشيرنوبيل». حين رصد خبير تقني عطلاً بنيوياً خفّض عمر مولدات البخار في محطة «هانول» إلى النصف في عام 2013، رفعت الشركة المسؤولة عن المشروع دعوى ضده على اعتبار أنه ينشر تُهَماً باطلة، لكن تستمر المشكلة نفسها حتى اليوم.

أخيراً، صمّم الموردون المحليون شهادات سلامة لتركيب عناصر مزيفة أو رديئة، ويتورط المسؤولون الحكوميون في عمليات الابتزاز أيضاً، فهم يغفلون عن الشوائب في معظم الأوقات مقابل تلقي المال، حتى أنهم يسمحون للموردين أحياناً بحذف بنود لا تزال واردة في العقود الرسمية، فقد ترسّخت مظاهر هذا التواطؤ بسبب غياب اختبارات الأداء المستقلة والمكلفة وعدم رصد الأخطاء إلا بعد وقوع الكوارث.

بدءاً من ضبط «المافيا النووية» وصولاً إلى التخلص من المخلفات الإشعاعية، من الواضح أن يون مضطر لتجاوز عقبات هائلة إذا أراد أن يمنح كوريا الجنوبية مستقبلاً نووياً.

● The Diplomat

● إينوو لي