الوضع السياسي العام في الكويت فاسد ومريض ومُعاق ومضطرب، ولذا فإنّه بحاجة ملحّة إلى إصلاح حقيقي وعمل، بعيداً عن الشعارات أو التكسب الشعبي أو السياسي الذي أرهق البلاد وزاد في تدهورها، دون أن يقدّم حلاً أو ينجز عملاً إصلاحياً مُجدياً، وهنا مكمن العلة واستمرار دوّامتها.

فعلى الرغم من أن لدينا دستوراً مثاليّاً في أحكامه ومبادئه وموازنته، وبالرغم من حيوية وفاعلية المجتمع الكويتي وأبنائه، وبالرغم من رغد العيش والإمكانات المالية للدولة، وبالرغم من حالة الأمن والأمان التي يتمتع بها كل من يسكن بالكويت، بالرغم من كل ذلك، فإن الوضع السياسي العام في الكويت فاسد ومريض ومعاق ومضطرب.

Ad

ويمكن إيجاز أسباب ذلك ومعضلاته في خمسة أمور محددة:

1- عدم قناعة الأسرة الحاكمة بالدستور وبالديموقراطية وبالمشاركة في السلطة وإدارة البلاد، ولذا فقد كان لها دور مستمر ولم ينقطع في مناوأة كل ذلك، والشواهد التاريخية معلومة منذ 1965 وحتى وقتنا الحاضر، ولا شك في أنه بعد خطاب سمو ولي العهد نعيش أجواء مغايرة مفعمة بالتفاؤل والأمل بأن هناك تجدداً في خطاب الأسرة وقناعتها تقوده قيادتنا السياسية، والإصلاح يبدأ بالرغبة والقرار السياسي، وها هو صار حاضراً اليوم.

2- التكوين الهشّ للحكومات التي تشكّل دون عمق شعبي ونيابي، وبلا رؤية سياسية محددة (برنامج سياسي موجز)، وبلا وزراء مؤهلين من نمط رجال الدولة وأصحاب الرأي والقرار، وبلا فريق وزاري متمكن ومتكامل ومتجانس، حتى تلاشت مؤسسية مجلس الوزراء، فغاب عن دوره المطلوب كراسمٍ لسياسة البلد ومهيمن على تنفيذها ويقود أجهزته من خلالها. وهو ما ينتظر أن يتم تصحيحه خروجاً من هذا المأزق.

3- قصر خيار تولّي رئاسة الوزراء على أبناء الأسرة الحاكمة، بل وعلى ذريّة مبارك، مما خلق تنافساً وصراعاً غير مرغوب فيه بين أبنائها على هذا المنصب ومع وضد مَن يتولاه، كما أفضى إلى محدودية الخيارات، وخلق جوّاً من الوهم بأن مساءلته سياسياً تعني تربصاً بالأسرة وأبنائها، وإشغال الأسرة بما ليس مرسوماً لها كونها محايدة ومرجعية، وفي معيّته تم تناسي أن هذا الوضع (أي المساءلة) نتيجة طبيعية لنظامنا البرلماني، مما يستدعي انسجاماً معه، أن يكون إسناد هذه المسؤولية لغير أبناء الأسرة الحاكمة الذين أشرنا إليهم أعلاه، وهو خيار لو تم لقلّل حالة الحساسية السياسية من المساءلة، ولأوصد الباب أمام المحرضين الذين يصورون الأمر خلافاً للحقيقة.

4- نظام انتخابي مشوّه ومعلول، فمن المحزن أن نقول إن نظامنا الانتخابي منذ لحظة ولادته كان مشوهاً ومشوباً بعلل العصبيات الفئوية، وتحديداً مناطقياً وطائفياً وقبلياً وعائلياً، وقد زاد تشوهه إلى درجة أنه صار نظاماً مسخاً منذ عام 1981 ، وكل ما كان يتم من جهود بشأنه كان عمليات تجميل تشويهية وفاشلة، لأنها كانت تتم بمقاسات مصلحية وشخصية محدودة بعيدة عن مصلحة الوطن، وهو ما يعاني البلد آثاره السيئة حتى اليوم، فلا مفرّ من تصحيح مسار النظام الانتخابي الذي هو بوابة كل تلك الإصلاحات السياسية من خلال تعزيز اللحمة الوطنية والخطاب الانتخابي الوطني بتبنّي نظام انتخابي لا جغرافي بدوائر عشوائية يقضي على العصبيات كافة، ويقضي أيضاً على الظواهر المزمنة المشوّهة للانتخابات، مثل المال السياسي وشراء الأصوات ونقلها والانتخابات الفرعية، وعضو الخدمات، والنجاح بأصوات ضئيلة، وغيرها.

5- معالجة الأزمات والممارسات البرلمانية بإجراءات وآليات وسوابق من خارج رحم الدستور، وبعيداً عن أحكامه، علماً بأن الخيار الأكثر ضمانة وسنداً وتوافقاً كان متاحاً دائماً وأبداً من خلال الدستور والقوانين المكملة له، ومن أمثلتها العملية الأمر الأميري بالاستعانة بسمو ولي العهد في بعض اختصاصات سمو الأمير وفقاً للقانون رقم 4 لسنة 1964.

* أ. د. محمد المقاطع