بينما رفع المعسكر الغربي المؤيد للسلام صوته، تزامناً مع بدء قمة حلف الناتو في مدريد، في 28 يونيو، تستلزم الظروف الراهنة تقييماً موضوعياً لعواقب أي هزيمة أوكرانية لأن تداعياتها تبدو كارثية.

كل سلام يحظى بموافقة موسكو سيكون مرادفاً لانتصار روسيا، ومن المتوقع أن يقسّم الانتصار الروسي الحلف الأطلسي ويدمّره مع مرور الوقت، مما يعني إضعاف مكانة الولايات المتحدة في أوراسيا على المدى الطويل.

Ad

لم يبدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الحرب وهو يحمل طموحات ضخمة بشأن حلف الناتو على الأرجح، لكن باتت حربه تختصر نهجه السياسي، فيجب أن يفهم الغرب إذاً أن انتصار روسيا سيغيّر النظام في أوراسيا بطريقة جذرية.

بدأ الغزو الروسي في الأصل لسببَين: نسخة سامة من القومية الروسية التي يتبناها بوتين، وخوفه الواقعي من قوة كييف مستقبلاً، ويشتق هذان العاملان أيضاً من دافعَين أساسيَين يؤثران في قراراته: نظرته إلى مهمة روسيا التاريخية ومكانته فيها، ورغبته في ضمان صمود نظامه.

فشلت الحملة الروسية الأولية لأسباب متنوعة، أبرزها توقعات الكرملين المبنية على معلومات استخبارية شائبة حول استسلام أو انشقاق جزء كبير من القوات الأوكرانية بعد بدء الغزو، لكن العملية الهجومية كانت تهدف أيضاً إلى إحداث صدمة في الغرب، وفرض واقع جديد عليه، وإثبات تفوّق روسيا العسكري. عملياً، كان كل تحرك روسي واسع، بدءاً من الهجوم الأولي وصولاً إلى محاصرة كييف وقصف إقليم «دونباس»، يهدف إلى إقناع الغرب بأن تسليح أوكرانيا غير نافع.

لكنّ قوة عزيمة الغرب صدمت بوتين والكرملين وغيّرت الأهداف الروسية، ولو بدرجة أقل من المتوقع، فبدل تخفيض المخاطر وتقليص الخسائر والتفاوض على سلام رمزي، تمسّك بوتين بموقعه الاستراتيجي، وقد شجّعه أمن النظام الروسي على متابعة مساره حتماً.

يطالب اللوبي القومي الروسي القوي محلياً بتحقيق انتصار ساحق لتبرير التكاليف التي يتكبّدها البلد في حرب أوكرانيا، وتجازف أي نتيجة أقل من هذا الانتصار بتحويل بوتين إلى نسخة من بوريس يلتسين بعد أحداث الشيشان، ولن يتقبّل بوتين أقل من الاحتفاظ بمكانة تسمح لروسيا بحماية مكاسبها في جنوب أوكرانيا وإقليم «دونباس»، تزامناً مع نزع سلاح أوكرانيا والتأكد من عدم قدرتها على التصدي لأي هجوم آخر.

على المدى الطويل، كان بوتين يُخطط حتماً لخوض مواجهة كبرى مع الغرب تمهيداً لتدمير الناتو وتأمين مكانة روسيا الاستراتيجية في أوراسيا الأوروبية مستقبلاً، فكانت أوكرانيا ستُعتبَر مجرّد محطة تحضيرية لتلك المواجهة.

من خلال دمج بيلاروسيا وأوكرانيا في إطار إمبراطورية روسية متجدّدة، سيتمكن بوتين من زيادة عدد سكان روسيا بأكثر من الثلث ورفع ناتجها المحلي الإجمالي بمقدار السُبع، ثم يمكنه أن يستولي على مولدوفا وجورجيا، ويضايق أذربيجان لإعادتها إلى المحور الروسي، ويرسّخ علاقة تبعية ملموسة بين موسكو والجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، فيتقاسم البلد مواردها كما فعلت موسكو في روسيا الآسيوية.

قد يتمكن هذا المعسكر من مواجهة الغرب، بمساعدة الصين في الحالة المثلى، وقد تفتعل روسيا أزمة أخرى في بحر البلطيق أو البحر الأسود، وتُسبب المشاكل في البلقان، وتستغل الانقسامات بين دول غرب أوروبا وشرقها في الناتو على خلفية استعدادها لسفك الدماء دفاعاً عن أوروبا.

لا مفر من استغلال ضعف إيطاليا وفرنسا وألمانيا في هذه الحالة، وقد تُستعمَل حينها القدرات البحرية الروسية في أقصى الشمال وشرق البحر الأبيض المتوسط للضغط على أوروبا، أو ربما تُستعمَل القدرات النووية الروسية، تزامناً مع تحرك الصين ضد تايوان، لترهيب الولايات المتحدة.

لكنّ المواجهة المطوّلة مع الناتو بسبب أوكرانيا غيّرت حسابات بوتين، فلا تستطيع روسيا أن تفوز بحربٍ تمتد على سنوات عدة، فقد اعترف البنك المركزي الروسي بأن روسيا لن تشعر بتكاليف الحرب الاقتصادية قبل الخريف أو بداية الشتاء، أي عند استنزاف احتياطيات العملة الروسية.

بعد مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني المرتقب، من المتوقع أن يصبح دعم الرئيس شي جين بينغ لروسيا علنياً، على افتراض أن يبقى في السلطة، لكن من المستبعد أن تدعم الصين الدولة الروسية إلى أجل غير مُسمّى، حتى أنها قد تترك روسيا لمصيرها نظراً إلى حجم الأضرار الاقتصادية المتلاحقة، فتنتزع أفضل المنافع من الاقتصاد الروسي وتسمح بانهيار أجزائه المتبقية.

على صعيد آخر، ستكون التعبئة الروسية كفيلة بتوسيع القوة القتالية، لكنها تجازف أيضاً بإطلاق ثورة مضادة، وفي الوقت نفسه، قد ينهي استعمال الأسلحة النووية القتال، لكنه يحمل مخاطر هائلة.

من خلال تكثيف الدعم لأوكرانيا، ربط الناتو تماسك تحالفه بمصير هذا البلد، حيث يحذر أعضاء الناتو في شرق أوروبا نظراءهم في غرب أوروبا منذ عام 2014 من تعرّض أوكرانيا لغزو قريب وانقلاب روسيا ضدهم في المرحلة اللاحقة، ومع ذلك أخفت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وقيادة الاتحاد الأوروبي مخاوفها، وحافظت على علاقات قوية مع روسيا، وشكّكت في مطالب زيادة الإنفاق العسكري.

على الغرب اليوم أن يسلّم معدات إضافية إلى أوكرانيا في أسرع وقت كي تتمكن من صدّ روسيا خلال السنة المقبلة، لكنه يدعم أوكرانيا أصلاً على مر هذه الحرب، ولولا المعلومات الاستخبارية والدعم العسكري والمالي من جانب الناتو، لما صمدت أوكرانيا في وجه الهجوم الروسي الأولي على الأرجح قبل أن تنهار مع مرور الوقت.

إذا نجح بوتين في تدمير أوكرانيا رغم جهود الناتو المكثفة، فقد يصمد الحلف الأطلسي ويقاوم، لكن إذا كانت هزيمة أوكرانيا تنجم عن غياب الدعم الكافي من الناتو أو ضغط دول أوروبا الغربية على أوكرانيا لإجبارها على تقبّل سلام شائب، فلا مفر من أن يتفكك الناتو في شرق أوروبا.

سبق أن تحوّلت الحركة الشعبوية اليمينية التي تُشكك بفاعلية الناتو والاتحاد الأوروبي إلى قوة مؤثرة، ويُعتبر حزب «فيدس» المجري أقوى عنصر في هذه الحركة وهو الأكثر دعماً للكرملين صراحةً، وفي الوقت نفسه، قد تتوسع النشاطات اليمينية المعادية لحلف الناتو في بولندا ورومانيا وبلغاريا، وقد تستفيد صربيا من الوضع وتدفع باتجاه الاستحواذ على جمهورية صرب البوسنة.

لن تحصل دول البلقان حينها على دعم كبير من الناتو، بل ستصبح السويد وفنلندا معزولتَين وضعيفتَين رغم انتسابهما إلى الحلف، حتى أن دول أوروبا الغربية التي تطالب أوكرانيا بتقديم التنازلات لعقد السلام قد تدمّر الناتو، وفي الحد الأدنى، قد يعود الحلف إلى حدود عام 1991 ويشمل على الأرجح جمهورية التشيك وألمانيا «الشرقية».

لكن في ظل توسّع النفوذ الصيني وعدم رغبة الولايات المتحدة في الدفاع عن أوروبا، ما الذي يمنع عقد سلام منفصل مع الكرملين، حليف الصين؟

يعني السماح بتفكك الناتو بهذه الطريقة تدمير سياسة متماسكة ضد الصين، حتى أن هذه الخطوة قد تزيد القوة الصينية، وتُسهّل وصول الحزب الشيوعي الصيني إلى شبكات الكهرباء ومعاقل الشحن عن طريق البحر الأبيض المتوسط، وتكبح وجود الولايات المتحدة أو حلفائها في الشرق الأوسط، فيصبح البحر المتوسط بحيرة روسية.

أخيراً، قد تنسف هذه الظروف أي ضغوط اقتصادية طويلة الأمد ضد الصين، وستصبح دول أوروبا الغربية حينها غير مستعدة للمجازفة بفرصها الاقتصادية على أمل أن تنتصر الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بعبارة أخرى يتوقف مصير أوراسيا على صمود كييف.

لهذه الأسباب، تقف الولايات المتحدة أمام خيارَين: إما أن ترفع معنويات حلف الناتو وتتابع التزاماتها تجاهه (أي مساندة أوكرانيا في هذه المرحلة الصعبة من القتال ومنحها الدعم الذي تحتاج إليه لطرد روسيا من أراضيها)، وإما أن تُخطط لتقليص دورها في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ وتتقبّل سلاماً منفصلاً مع موسكو وهيمنة روسيا على شرق أوروبا.

يحمل الخيار الثاني مجازفات كبرى، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة أن تضغط على الصين اقتصادياً من دون دعم أوروبا، ولا يمكنها احتواء الطموحات الصينية في الشرق الأوسط ومنطقة البحر الأبيض المتوسط من دون الوصول إلى أوراسيا الأوروبية.

كذلك، قد يؤدي انهيار نظام التحالف الأوروبي إلى نشوء اصطفافات جديدة في الشرق الأوسط، مما يعني تسليم النفوذ في أوراسيا إلى التحالف الصيني الروسي الإيراني وتجنّب أزمة بسبب تايوان، لكن لن تتّضح هذه التداعيات سريعاً لأن اليابان، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، ودولاً أخرى داخل التحالف المعادي للصين بقيادة الولايات المتحدة، لن تعقد سلاماً منفصلاً بشكلٍ فوري، ومع ذلك قد تُهدد السيطرة على أوروبا والشرق الأوسط بطريقة عدائية المكانة الاقتصادية للقوى الآسيوية في أي مواجهة بين الصين والولايات المتحدة، وبمستوى أخطر من تداعيات أي انهيار اقتصادي عالمي كان سيُسببه الصراع المتوقع في أنحاء المضيق.

في مرحلة معينة، ستدرك اليابان وأستراليا، وحتى الهند، أنها تتعرض للخداع وقد تقطع علاقاتها مع روسيا لكنّ هذه الخطوة لن تُحسّن المصالح الأميركية في آسيا، ولهذا السبب يبقى الاحتمال الأول الخيار المنطقي الوحيد، وعلى الولايات المتحدة أن تبقي أوكرانيا في المعركة بأي ثمن.

لا تقتصر المسألة على تسليم الأسلحة، مع أن الولايات المتحدة مضطرة لتوسيع وتجديد مجمعها الصناعي العسكري بدرجة كافية لاستعماله كترسانة للديموقراطية ولهزم الصين حين تحاول إخضاع تايوان، بل إنها مسألة إرادة، ولا يمكن السماح بتفكيك التضامن بين دول الناتو في أوروبا الغربية، بل يُفترض أن تشارك تلك البلدان في تحمّل أعباء الدفاع الأوروبي عن طريق صناعاتها الدفاعية.

يجب أن يقتنع أعضاء أوروبا الغربية في الحلف الأطلسي بزيادة إنتاجهم الدفاعي وتسليم أوكرانيا كميات الأسلحة الثقيلة التي تحتاج إليها لتحقيق النصر، ولا يمكن عقد مفاوضات تُمهّد لسلام دائم من دون هذه الخطوة، ولا يمكن التوصل إلى أي تسوية إلا بعد إخراج روسيا من جنوب أوكرانيا والعودة إلى حدود ما قبل 24 فبراير.

تتطلب هذه الإنجازات التزاماً عسكرياً متماسكاً من جانب الناتو لردع التصعيد الروسي الأفقي، لكن يجب أن يتمتع الحلف بقوة الإرادة حتى نهاية الحرب.

فشل حدث بسيط في البلقان في إطلاق حرب عالمية أخرى في عام 1999، لكنّ حدثاً ضخماً اليوم في أوكرانيا أعاد هذا الاحتمال إلى الواجهة، وستكون هذه المواجهة حاسمة، فالتعقّل ليس مرادفاً للجمود بل لقوة العزيمة، ويُعتبر اجتماع الناتو في مدريد مناسبة ممتازة لإثبات قوة إرادة المعسكر الغربي.

* سيث كروبسي

Asia Times *