نشر في الصحف مؤخراً خبرٌ عن تحويل مجموعة من المُنْتَخَبين المختلسين في إحدى الجمعيات التعاونية إلى النيابة بتهمة اختلاس أموال من انتخبوهم، هذه الاختلاسات متواصلة لم تتوقف منذ عقود، ولا يتم الكشف عنها إلا بالمصادفة، أو أن هناك من بلّغ عنها، أو لأن أحد المحاسبين المعتمدين النزيهين كشف عنها.

الخبر المنشور ليس بجديد، والكثيرون يعلمون أن هناك اختلاسات وفساداً وتزويراً في الجمعيات منذ سنوات كثيرة، وهو الذي يفسر التكالب على الترشح لشغل مناصب أعضاء مجالس الإدارات، فآلية الانتخابات لوثتها بؤر طائفية وقبلية وحزبية.

Ad

ولكن يبدو ألا أحد أعطى مبدأ انتخابات الجمعيات والنوادي الدراسة اللازمة والاهتمام المستحق، ومعالجة الاختلالات السيئة التي أفرزتها، وللدلالة على ذلك أن الاختلاسات التي حصلت في تلك الجمعية المذكورة تكررت عدة مرات، فقد سبق أن كتبت عن هذا الموضوع في جريدة «القبس» الغراء في 30/ 7/ 2009: «بأن مصدرا في وزارة الشؤون كشف بأن الوزارة في حيرة من استمرار التجاوزات في عدد كبير من الجمعيات التعاونية التي تديرها مجالس إدارات منتخبة، وأن هناك نحو 10ملايين دينار تختفي سنويا من حسابات الجمعيات، لأسباب متعددة منها الاختلاسات أو لصرف مخصصات غير مبررة، كاستغلال بعض البنود الاجتماعية والخدماتية، يضاف إلى ذلك تعيينات عشوائية للكويتيين على بند دعم العمالة الوطنية، ولغيرهم يقدرون بنحو 14 ألفا، وكانت الجمعية المعنية أحد الأمثلة للفساد الصارخ، فعليها وحدها مطالبات تقدر بــ7 ملايين دينار، وبخسائر تبلغ مليونا و630 ألف دينار»، هذا الخبر كان في سنة 2009 فما بالكم اليوم؟

وكتبت قبلها مقالة بتاريخ 10/ 5/ 2006، أعيد ذكر بعض ما فيها لجسامتها، متمنيا أن يقرأها المسؤولون بعناية وجدية لخطورتها: «فقد جمعتني المصادفة عند صديق باثنين من أدوات الفساد الصغار، فاسترعى انتباهي أحدهما عندما تكلم بحماس زائد مع صديقه عن نتائج انتخابات الجمعية التعاونية والنادي الرياضي الواقعين في منطقتهما، وكيف أن هناك لعبة تمت بين مجموعات قبلية رجحت كفة إحداهما على الأخرى، فسألته: لماذا هذا الحماس الزائد؟ فأنتما لستما من الوجوه الرياضية، فرد متباهيا: صديقي الجالس أمامي هو رئيس لجمعية تعاونية، وهو مسؤول عن إداراتها وعن محفظة في أحد البنوك مقدارها ثمانية ملايين دينار، فسألته وهل: صديقك هذا يملك أي مؤهلات لكي يفوز بهذا الموقع التعاوني المهم؟ فقال: لا يحمل إلا الشهادة المتوسطة، ولكن يكفي أنه من جماعتي، فهو لا يرد لي طلبا، فلي عليه دالة».

ويبدو أن الحماس وحب التباهي قد جعلاه يتخلى عن حرصه، فأخذ يبوح بما في دخيلته، فقال متفاخراً، «إنني أملك نسبة مئوية من الأصوات التي حصل عليها، ومع أنها نسبة صغيرة لكنني أعتبرها صفقة مفيدة لي وله، فأنا الآن أتمتع في محيطي بوجاهة اجتماعية، إلى جانب أنني فزت بفائدة مالية، فقد حصلت على حق توظيف عدد من المحسوبين عليّ وعلى حق عقد صفقات مع موردين للجمعية والحصول منهم على عمولات، فسألته: وما الفائدة من توظيف أناس قد لا ينتمون إلى جماعتك؟ ضحك من سؤالي الساذج، ورد قائلاً: لقد اشتريت ولاءهم وسيردون لي هذا الجميل بطريقة أو بأخرى، فأنا أوظفهم من أجل خدمتي وتسهيل أموري».

صاحبنا زاد حماسه فبدأ يصرح بأمور أعظم فقال: «إن أعضاء المجلس السابق للجمعية قد وظفوا العشرات من المحسوبين عليهم، كعربون لنجاحهم، وإن هؤلاء يقبضون معاشات بلا دوام»، وأضاف «إن هناك اتفاقا قبل الانتخابات على توزيع المناصب الإدارية والصفقات التجارية، فلكل عضو «كوتة» للتوظيف وأخرى لصفقات التوريد، والتي تعني عمليا جني أموال من العمولات، فمثلا واحد مسؤول عن توريد الخضار والفاكهة والآخر عن المعلبات، وهكذا».

فالواضح هنا أن بعض الجمعيات التعاونية التي كانت مفخرة للكويت قد انحرفت عن غرضها الأساسي، وباتت مرتعا للفساد والاختلاسات، ومفرخة متواضعة لسياسيين فاشلين، لا يفقهون من أمور الدنيا إلا الثراء السريع بأي وسيلة.

فنتمنى أن تقوم وزارة الشؤون بتعيين أعضاء الجمعيات والأندية من ذوي النزاهة والاختصاص، حتى يتم الحد من الفساد، أو أن تنفذ الاقتراح بتحويل الجمعيات إلى شركات مساهمة، ولكن هل يرضى بعض نوائب الأمة وحيتان الفساد عن هذه الفكرة الإصلاحية؟ نشك كثيراً في ذلك.

طلال عبد الكريم العرب