يستفيد طرف معيّن من الأزمات دوماً، وفيما يخص الغزو الروسي لأوكرانيا، يبدو أن ذلك الشخص هو رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، الذي رفض إدانة موسكو والانضمام إلى حملة العقوبات الغربية، ونجح في تحسين مكانة الهند العالمية، وفي الوقت نفسه تحاول جميع القوى البارزة الأخرى (الولايات المتحدة وروسيا والصين) التقرّب من الهند لمنع تفوّق خصومها استراتيجياً، كما يستمتع مودي وأعضاء حكومته الهندوسية القومية بهذه الأهمية المكتسبة في الفترة الأخيرة، ولا شك أنهم سيحاولون الحفاظ على الزخم نفسه، فهم يريدون على الأرجح منح مكانة القوة العظمى المستقلة للهند، وتسريع الانتقال إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، وأخيراً ترسيخ مكانة الهند المستجدة عبر نيل مقعد دائم في مجلس الأمن.

هذه الوقائع كلها لا تنفي تحوّل الولايات المتحدة إلى أهم شريكة استراتيجية للهند، فقد أحرز البلدان تقدماً هائلاً في السنوات الأخيرة، ومنذ عام 2018 نظّمت واشنطن ونيودلهي قمماً سنوية ووقّعتا على اتفاقيات أمنية بارزة، وهما تشاركان في حوار أمني معروف باسم «التحالف الرباعي»، إلى جانب أستراليا واليابان، خلال قمة خاصة بهذا التحالف في طوكيو في الشهر الماضي، اجتمع مودي مع الرئيس الأميركي جو بايدن شخصياً للمرة الثانية لاستكمال النقاشات الافتراضية المستمرة بين البلدين، كذلك انضمّت نيودلهي إلى «الإطار الاقتصادي للازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ» الذي كشفت عنه واشنطن حديثاً، وهو يهدف إلى توثيق العلاقات الاقتصادية في المنطقة لكن من دون إبرام معاهدة تجارية رسمية، وعلى مر هذه الشراكة الثنائية الناشئة، تعهدت الولايات المتحدة والهند، باعتبارهما أكبر ديموقراطيتَين في العالم، باستعمال قِيَمهما المشتركة ومصالحهما الاستراتيجية في احتواء الصين لتقوية النظام الدولي الليبرالي المبني على قواعد واضحة.

Ad

لكن خلال الأشهر القليلة الماضية، حافظت الهند على روابط وثيقة مع روسيا عبر الامتناع عن التصويت مراراً على قرارات الدول الغربية ضد روسيا في الأمم المتحدة، فثمة شراكة قديمة بين روسيا والهند، وهي تعود إلى حقبة الحرب الباردة، حين كانت نيودلهي مقتنعة بأن واشنطن تدعم عدوتها اللدودة باكستان، ولطالما قدّرت الهند قيمة الدعم الروسي لها، لا سيما في مجلس الأمن، حيث يتم التداول بمكانة إقليم جامو وكشمير طوال الوقت.

في غضون ذلك، اعتادت الهند تاريخياً على استعمال شراكتها مع روسيا ضد عدوتها اللدودة الأخرى الصين، التي تجمعها بها اضطرابات مستمرة على الحدود، فطوال عقود كانت الهند تشتري الأسلحة من روسيا وتبلغ نسبة المعدات العسكرية الروسية في الهند نحو 85% وفق أحدث التقديرات، وبدءاً من الشهر الماضي، يقال إن إدارة بايدن تفكر بتقديم تمويل عسكري للهند بقيمة 500 مليون دولار لوقف اتكالها على المعدات روسية الصنع، كذلك تمتنع واشنطن حتى الآن عن تطبيق «قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات» بعد شراء الهند نظام صواريخ أرض– جو «إس-400» من موسكو، مما يثبت أن الهند تبقى أساسية في الاستراتيجية الأميركية الخاصة بمنطقة المحيطَين الهندي والهادئ لدرجة ألا تجازف واشنطن بإثارة استيائها عبر العقوبات.

استفادت الهند أيضاً من إمدادات النفط والفحم الروسية بأسعار مُخفّضة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، فكان وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، قد أعلن في شهر أبريل أن الهند تستورد النفط الروسي خلال شهر كامل بكمية أقل مما تفعل أوروبا في يوم واحد، لكن زادت واردات النفط إلى الهند من روسيا بدرجة هائلة بعد فرض العقوبات الغربية على موسكو، وتكرر الوضع نفسه مع الفحم، علماً أن مخزون الهند أصبح ضئيلاً على نحو مقلق، وتشعر الهند حتماً بالامتنان لأن مصادر الطاقة الروسية تدعم تطورها، كما انزعجت الهند، أكبر دولة بعد حقبة الاستعمار في العالم، من الانتقادات الغربية لهذه الواردات، بعد عقود على تعرّضها للهجوم بسبب انبعاثات الوقود الأحفور، ولا يزال هذا الموضوع حساساً جداً لأن الدول الغنية التي يطغى عليها أصحاب البشرة البيضاء تطالبها على ما يبدو بالتخلي عن مصالحها الوطنية في مجال أمن الطاقة ومشاريع التنمية التي تتكل على هذه الموارد.

وتعبيراً عن امتنان موسكو لنيودلهي، نظراً إلى دعمها الدائم لها في الأمم المتحدة، زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الهند في أبريل الماضي، وأشاد بنظام صرف عملات الروبية والروبل الذي يشكّل حلاً بديلاً لإتمام المعاملات مع البنوك الروسية الخاضعة للعقوبات، وأضاف لافروف: «سنكون مستعدين لتأمين أي سلع تريد الهند شراءها»، وفي ظل استمرار النقاشات بين مودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين منذ بدء الحرب، تكلم لافروف أيضاً عن احتمال أن تؤدي الهند دور الوساطة خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ما قد يمنح البلد مكانة بارزة على الساحة العالمية.

بما أن موقف الهند الحيادي يتعارض بكل وضوح مع السياسة الأميركية، وجدت بكين الفرصة الاستراتيجية المناسبة للتواصل مع نيودلهي، وهي تهدف بذلك إلى إبعادها عن قبضة واشنطن. في شهر مارس كان وزير الخارجية وانغ يي أول مسؤول صيني بارز يزور الهند منذ عام 2019، فعبّر هناك عن رغبة بكين في التقرب من نيودلهي صراحةً، وقال: «إذا تكاتف البلدان، فسيتنبّه العالم أجمع إلى تعاوننا»، وقبيل زيارة وانغ إلى الهند، استعملت صحيفة «غلوبال تايمز»، التي تصدر باللغة الإنكليزية ويديرها الحزب الشيوعي الصيني، نبرة تصالحية غير مألوفة، فكتبت ما يلي: «تتقاسم الصين والهند مصالح مشتركة على جبهات عدة، فقد وجّه الغرب حديثاً أصابع الاتهام تجاه الهند مثلاً لأنها تفكّر بشراء النفط الروسي بأسعار مُخفّضة، لكنه حق مشروع للهند».

لكن لم يُعبّر المسؤولون الهنود عن استعدادهم للتقرب من الصين نظراً إلى المنافع التي يحصدها البلد بفضل مكانته الحيادية، لا سيما من الولايات المتحدة، فبعد زيارة وانغ، سأل جايشانكار: «هل يُميّز الأميركيون بين الهند والصين على مستوى موقفهما من روسيا خلال الأزمة الأوكرانية؟ من الواضح أنهم يفعلون»، ورغم قوة الروابط الأميركية الهندية، يبقى الحفاظ على استقلالية الهند الاستراتيجية عبر سياسة عدم الانحياز هدفاً طويل الأمد بالنسبة إلى نيودلهي، وفي سياق التطورات الروسية وفي ظل احتدام المنافسة بين القوى العظمى، أثبت هذا الموقف فاعليته تجاه الصين تحديداً، كذلك، تخوض الصين والهند صراعاً حدودياً مستمراً، وقد دعت نيودلهي إلى حلّه قبل تطبيع العلاقات الثنائية، فلم يستفد وانغ من المرور بباكستان أولاً وإطلاق تعليقات معادية للهند حول مكانة إقليم جامو وكشمير، وبدل الموافقة على موقف بكين الداعم لروسيا صراحةً، قررت الهند التحرك بناءً على طلب صيني آخر، فاستمرت مشاركة مودي في منتدى «بريكس» الذي يضمّ البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا.

اكتسبت الهند صلاحيات واسعة وأثبتت صوابية مواقفها أمام دول محورية في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون أثناء زيارته للهند في شهر أبريل مثلاً: «العلاقات بين روسيا والهند معروفة تاريخياً، ولن تُغيّر تحركات نيودلهي هذا الوضع». ثم أثبتت جولة مودي بين ألمانيا والدنمارك وفرنسا في الشهر الماضي أن الهند لن تتعرّض للتهميش بسبب سياستها تجاه روسيا، فقد تلقى مودي في تلك الدول الثلاث ترحيباً واسعاً، وفي ما يخص ألمانيا، بقي مودي على قائمة الضيوف للانضمام إلى مجموعة الدول الصناعية السبع في وقتٍ لاحق من هذا الشهر، في جبال الألب البافارية.

في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، قال رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا حين سُئِل عن الهند خلال قمة التحالف الرباعي في الشهر الماضي: «لكل بلد تطوراته التاريخية الخاصة ووضعه الجغرافي الخاص، حتى أن المواقف قد لا تصبح موحّدة بين الدول التي تحمل العقلية نفسها، إنه وضع طبيعي». تسلم رئيس الوزراء الأسترالي الجديد أنتوني ألبانيز منصبه منذ بضعة أسابيع، لكنه قابل مودي على هامش قمة التحالف الرباعي واعتبر العلاقات بين البلدين «وثيقة أكثر من أي وقت مضى»، رغم «الآراء القوية» التي تبادلتها مختلف الأطراف حول روسيا خلال الاجتماعات.

من الواضح أن الحرب الروسية في أوكرانيا أفادت الهند لأن القوى العظمى تتنافس اليوم على استمالتها، لا سيما الولايات المتحدة والصين، وفي غضون ذلك، منعت الهند سياستها تجاه روسيا من إفساد شراكاتها مع حلفاء أساسيين في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. قد تسهم هذه النزعات، إذا استمرت خلال الفترة المقبلة، في إيصال الهند إلى مكانة القوى العظمى، مما يؤدي إلى تغيير النظام العالمي وتوجيهه نحو حقبة جديدة من التعددية المتوسّعة، وقد يتوقف مسار النجاح الهندي في حال تصعيد الصراع الروسي الأوكراني بدرجة هائلة، مما قد يجبر الهند أخيراً على الانحياز إلى أحد معسكرَي القوى العظمى، حتى أن الشركاء الذين تحمّلوا مقاربة الهند المتحفظة والواقعية حتى الفترة الأخيرة قد يشعرون بالاستياء إذا رفضت نيودلهي تحمّل مسؤولياتها كقوة عظمى ناشئة، لكن إلى حين حصول ذلك، من المتوقع أن تتابع الهند في عهد مودي الاستفادة من هذه الأزمة المريعة.

* ديريك غروسمان

* ديريك غروسمان – فورين بوليسي