أفرزت الانتخابات التشريعية الفرنسية، التي جرت في عطلة نهاية الأسبوع الفائت، عدة مظاهر سياسية واجتماعية، سيكون من الصعب حصرها كلها، ولكن سنقف على بعضها، آخذين بعين الاعتبار النسبة الكبيرة لعدم المشاركة بهذه الانتخابات حيث وصلت إلى نسبة 54%!

بلغ عدد المقاعد التي حصل عليها حزب الرئيس الفرنسي الحالي (إيمانويل ماكرون) 245 مقعدا من أصل 577 عدد مقاعد الجمعية الوطنية الفرنسية، في حين أن عدد مقاعد هذا الحزب كانت مع حلفائه 350 مقعدا في الدورة التشريعية السابقة عام 2017، أي بلغت الخسارة 105 مقاعد، علما بأن الأغلبية المطلقة لعدد نواب أي حزب حاكم يجب أن تصل في هذه الجمعية إلى 289 مقعدا لضمان تمرير كل مشاريع القوانين التي يقترحها مجلس الوزراء الذي يعينه رئيس الجمهورية.

Ad

خسر إذن حزب رئيس الجمهورية الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، وهو مظهر جديد في السياسة الداخلية والتشريعية الفرنسية، وسبق أن عرفته فرنسا أيام حكم رؤساء سابقين في ظل الجمهورية الخامسة، ولكن تحمل هذه الخسارة دلالات عديدة ومعاني ودروسي أيضا، فالناخب الفرنسي يرفض أن يعطي لحزب الرئيس المتحالف معه أحزاب صغيرة أخرى، الأغلبية البرلمانية، ولا يريد أن يطلق يده ليشرع كما كان يفعل في السنوات الماضية. أراد هذا الناخب أن يحتج مجددا، زيادة على المظاهرات والاحتجاجات والإضرابات التي عرفتها فرنسا في السنوات الماضية، وكما فعل في أزمة (الستر الصفراء)، لمواطنين خرجوا احتجاجا واعتراضا على رفع الأسعار وبخاصة أسعار الوقود وتدني مستوى المعيشة وغلاء الأسعار.

أراد الناخب الفرنسي أن يُسمع الرئيس الفرنسي صوته واحتجاجاته ومخاوفه من مشاريع قوانين قادمة تتعلق بسن التقاعد، وطريقة مكافحة التضخم، والحد من ارتفاع الأسعار، وتدني مستوى المعيشة، وبخاصة للطبقات الوسطى والفقيرة، فجاءت هذه النتائج التشريعية المخيبة لآمال الرئيس وحزبه.

كما كانت صدمة غير منتظرة أن يخسر أعضاء من الحكومة الفرنسية الحالية الانتخابات التشريعية يضاف إليهم رئيس الجمعية الوطنية المحسوب على رئيس الجمهورية، وكذلك رئيس تجمع البرلمانيين من حزب الرئيس في هذه الجمعية. لقد خسرت شخصيات معروفة وكانت في مراكز القرار أمام مرشحين من أحزاب أخرى، وهو من الدلائل المقلقة والصادمة التي لها صداها وأبعادها في أواسط الرئيس وأنصاره.

تتضح لن أولى دلالات الانتخابات الفرنسية بتراجع شعبية رئيس الجمهورية عند الناخب الفرنسي، ولم يشفع له وصوله إلى المرتبة الأولى في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت هذا العام، واختياره رئيسا للجمهورية في الجولة الثانية، مما يدل عن عدم رضا الناخب الفرنسي عن سياساته في الفترة الرئاسية السابقة والذي لم يعد واثقا به كما كانت عليه الحال قبل خمس سنوات، وهذا الناخب على حذر بخصوص السنوات القادمة مع معطيات جديدة تتجلى على الساحة الدولية بسبب الحرب في أوكرانيا وانعكاساتها السلبية في أوروبا.

كما حصل اليمين المتطرف الفرنسي على 89 مقعدا مما جعل منه أكبر تجمع برلماني معارض! لقد أخذت رئيسة هذا التجمع (ماري لوبان) بثأرها ولو بعد حين، فقد كانت المنافسة النهائية للرئيس الفرنسي الحالي في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية عام 2017، وفي هذا العام، وخسرت هاتين الجولتين لصالح الرئيس، وها هو حزبها (التجمع الوطني) يحصل على نسبة كبيرة نسبيا من المقاعد ليصبح قوة سياسية وبرلمانية يحسب لها حسابها في السنوات الخمس القادمة، وهي المدة التشريعية للجمعية الوطنية.

وتظهر دلالة أخرى بوصول هذا الحزب بعدد كبير من المقاعد إلى الجمعية الوطنية، وهي هذا التوجه اليميني المتطرف الذي نشعر به منذ عدة عقود، والمواقف المعلنة وغير المعلنة بخصوص الوجود الإسلامي في فرنسا، وأوضاع المهاجرين، والمواقف من وصول أعداد كبيرة من اللاجئين من مختلف البلدان وفي مقدمتها بلدان الشرق الأوسط، كانت ولا تزال هذه المواقف عدائية ورافضة ومستنكرة خوفا منها ومن أصحابها، وحسب ما يصرح به هذا اليمين المتطرف، على فرنسا وتراثها وثقافتها وتاريخها، ولكن هل هي بالفعل هذه الأسباب أم أنها نوع من العداء والتطرف وعدم التسامح !

وكانت ظاهرة نجاح تجمع أحزاب اليسار بالحصول على 131 مقعدا لافتة للنظر، ودلت على أن التعاون والتكاتف بين هذه الأحزاب (فرنسا الأبية، والخضر، والحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي)، وعلى الرغم من بعض الاختلافات بينها، هذا التعاون والتكاتف يمكن أن يحدث تغييرا، ويحرم حزب رئيس الجمهورية من الأغلبية المطلقة في الجمعية الوطنية، ولو أن من قاد عملية التعاون والتكاتف هذا كان يأمل أن يحصل هذا التجمع على نسبة كبيرة من المقاعد، ونقصد به السياسي المخضرم (جان لوي ماليشون)، لكنه لم ينجح في إقناع هذه الأحزاب بتشكيل جبهة واحدة ومجموعة موحدة في البرلمان الجديد، كما أنه لم يصل إلى مراده ولم يتحقق حلمه، ففي مقابلة تلفزيونية معه قبل الانتخابات سألته الصحافية أين ستكون صباح الإثنين بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية؟ فكان رده سأكون في المنزل جالسا وأمامي هاتفي منتظرا اتصالا من رئيس الجمهورية ليعينني رئيسا للوزراء، ويكلفني بتشكيل مجلس للوزراء، فلم يتحقق هذا الحلم الطموح ولم يحدث ما كان يتمناه هذا السياسي لأن عدد أعضاء هذا التجمع اليساري المؤلف من عدة أحزاب لم يحصل على مقاعد كافية تسمح له بتأدية دور أساسي، ولا أن يكون له وزن يدفع برئيس الجمهورية لاختيار رئيس للوزراء من بين صفوفه، ولا نعتقد أن الرئيس سيتصل به مستقبلا، ولعل دوره السياسي سيتلاشى لأنه لم يترشح أصلا ليكون نائبا في البرلمان الفرنسي، كما أنه خسر الانتخابات الرئاسية في الجولة الأولى، ولم يبق له إلا رئاسة حزبه.

ولعل أجمل ما نختم به حديثنا عن مظاهر هذه الانتخابات التشريعية الفرنسية ودلالاتها، هو خبر انتخاب عاملة نظافة (راشيل كيكي) من أصول إفريقية، وهي من دولة ساحل العاج، وصلت إلى فرنسا عام 2000، وحصلت على الجنسية الفرنسية عام 2015، وأم لخمسة أولاد، وتعمل في أعمال النظافة في الفنادق الفرنسية، لقد كان لافتا للنظر وصول هذه العاملة من أصول أجنبية ومستوى اجتماعي عادي ومستوى اقتصادي متواضع، إلى الجمعية الوطنية الفرنسية، لقد نجحت هذه المواطنة الفرنسية في حملتها الانتخابية وحصلت على مقعد نيابي، في الوقت الذي اندمجت فيه فعليا في المجتمع الفرنسي من دون إنكار أصولها وأوضاعها، وسبق لها أن شاركت في مظاهرات واحتجاجات تتعلق بالمستوى المتدني لعاملات النظافة والتقصير في تحسين أوضاعهن، وكله تحت مظلة القوانين الفرنسية واحترام لها، فنجاح هذه العاملة في الوصول إلى الجمعية الوطنية الفرنسية يحمل بذاته دلالات يؤكد بعضها على ديموقراطية الانتخابات التشريعية الفرنسية الأخيرة والتي أوصلت عدداً من المواطنين الفرنسيين من مختلف التوجهات والأفكار والتطلعات إلى مقاعد هذه الجمعية، وتؤكد على شفافية هذه الانتخابات، وعلانيتها، وانفتاحها على الجميع، ولكل مجتهد نصيب.

* أكاديمي وكاتب سوري مقيم بفرنسا.

* أ. د. محمد أمين الميداني