نظم المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية ندوة بعنوان «العالم العربي أمام التحديات العالمية الجديدة» مراكش 8 يونيو 2022 حضرها جمع من المفكرين والباحثين، قدموا أوراقاً ناقشت هذه التحديات بالبحث والتشخيص، وقدموا توصياتهم. شاركت في هذا الملتقى العاشر لتحالف مراكز الفكر والثقافة العربية بورقة حول: «كيف يمكن تحويل الأزمات إلى فرص لائتلاف المجتمعات العربية حول رهانات مشتركة؟ وكيف يمكن تعبئة جميع مكونات المجتمعات العربية؟»، وهذه خلاصة ورقتي: الأزمات التي تشهدها المنطقة، تشكل تحديات علينا مواجهتها باستنفار جهودنا وحشد طاقاتنا، طبقاً لخالد الذكر أحمد شوقي:

وما استعصى على قوم منالٌ إذا الإقــــدامُ كان لهــم ركــــابـــاً

Ad

الأزمات تولد الفرص، وعلينا استثمارها فيما يؤلف بيننا ويقوي صفوفنا ويحقق آمالنا، صنوف الابتلاء والمحن تجعلنا أقوى، وتعلمنا دروسا ثمينة تعيننا على مواجهة المتغيرات وتجاوز المعوقات استشرافاً لمستقبل أفضل لمجتمعاتنا، قال تعالى: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً»، والابتلاءات جزء من هندسة الحياة، ولولاها لما استنفرت البشرية طاقاتها. أحيي هذا الملتقى، متمنياً التوفيق في تشخيص الأزمات التي تواجهنا في هذا العالم المضطرب.

أمامنا اليوم تحديات جديدة تتمثل في جائحة كورونا التي استطاع العالم تحجيمها بفضل تعاونه، والغزو الروسي لأوكرانيا وتداعياته الخطيرة على مختلف دول العالم، لكن التحديات الجديدة يجب ألا تنسينا التحديات القديمة التي لم نفلح في علاجها حتى اليوم، وهنا أستحضر أبياتا من قصيدة أبي الطيب المتنبي:

صَحِبَ الناسُ قَبلَنا ذا الزَمانا وَعَناهُم مِن شَأنِهِ ما عَنانا

وَتَوَلَّـــــــوا بـِغُصّــــَةٍ كُلُّهُـــــــــــم مِـنــــــــهُ وَإِن سَرَّ بَعضُـهُم أَحيـــــــانــــــــــا

إلى أن يقول:

كُلَّـــمـــــــــا أَنــــبــــَتَ الزَمــــــــــــانُ قَنــــــــــــــاةً رَكَّبَ المَرءُ في القَناةِ سِنانا

هكذا شأن الإنسان مع الزمان كلما فتح له طريقاً للخير والتقدم أساء استغلاله وحوله إلى أداة للدمار. ومداخلتي معنية بالتحديات المزمنة: وأولها التحدي الداخلي وعجزنا المزمن عن «تنمية الإنسان».

ولسمو الشيخ محمد بن راشد تشخيص دقيق: إن منطقتنا العربية تمر بتحديات ضخمة ولن ندير ظهرنا، والعالم يواجه تحديات كبيرة: الإرهاب، الحروب، الهجرات، والحل الحقيقي في التنمية (تنمية الإنسان) وتعليمه وتثقيفه ومساعدته على بناء مستقبله، والمعضلة الحقيقية للعرب عجزهم البنيوي عن «بناء الإنسان»! ولن نخترع العجلة من جديد، فالحلول موجودة، طبقتها الأمم الأخرى، أبرزها: أولاً: تعزيز قيم «المواطنة» بما يحصن كيان «الدولة الوطنية» في مواجهة مشروعات التفكيك التي تنفذها قوى خارجية وميليشيات وتنظيمات داخلية مدعومة من هذه القوى، كما أن في تعزيز هذه القيم صيانة لمستقبلنا ومستقبل أجيالنا ومجتمعاتنا من الصراعات المذهبية والطائفية والقبلية. علينا تفعيل هذه القيم على أرض الواقع المجتمعي بحيث لا يبقى أي مسوغ لأي مكون مجتمعي للشكوى من الإقصاء عن المشاركة السياسية أو التهميش في التمثيل النيابي أو الحرمان من تولي المناصب القيادية أو الشعور بالغبن الاجتماعي. لا جدوى من التغني بالوطنية، ولا قيمة حقيقية للدساتير التي تنص على مبدأ «المواطنة» معياراً للحقوق والواجبات، إذا بقيت نصوصاً مجردة ومعطلة، بعيدة عن حقائق الواقع المجتمعي والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في المجتمع لأن النتيجة تعميق التناقض بين هذه القيم والممارسات الواقعية، ومن ثم إضعاف ولاء المواطن مقابل تعصب الفرد لقبيلته وطائفته وجماعته، كما يقول (بحق) المفكر البحريني المعروف د.محمد جابر الأنصاري، شفاه الله: «علينا تعزيز قيم المواطنة باعتبارها الرابط الجامع الذي يعلو فوق كل الانتماءات والروابط الأخرى عبر تفعيلها بآليات عملية في الساحة المجتمعية حتى لا تبقى مجرد قيم فوقية معلقة في الفضاء المجتمعي».

ثانياً: التحصين الفكري والديني لـ«الشباب العربي» تجاه أمراض الغلو والعنف كونه قضية «أمن وطني»، فمواجهة الفكر الظلامي تتطلب استراتيجية وطنية تشارك فيها كل هيئات الدولة الثقافية والتعليمية والدعوية ومنظمات المجتمع المدني على المستوى الوطني والعربي والدولي، وهذا الفكر شديد الخطورة وعابر للأوطان ويتطلب تعاونا جماعياً. ثالثاً: تعزيز مفاهيم «العيش المشترك» وترسيخها في بنية «التركيبة المجتمعية» بكل طوائفها وأطيافها وأديانها ومعتقداتها، فالدين لله تعالى، وهو الحاكم بين عباده «ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ» وأما الوطن فللجميع بلا تمييز أو تفرقة أو تهميش لأي مكون مجتمعي. رابعاً: تجديد «الخطاب الديني» بما يحصن البيئة العربية من أوهام «السراب» المتمثل في إحياء «نظام الخلافة» العابر لحدود الأوطان، طبقاً لما شخصه الدكتور جمال سند السويدي في كتابه (السراب) ووضحه الشيخ عبدالله بن بيه: نقول لهؤلاء الذين يقتلون أنفسهم من أجل خلافة، أو تصور، أو تخيل لا وجود له أصلاً في التاريخ، في الممارسات التاريخية بعد القرن الأول لم يجتمع المسلمون في دولة واحدة. وللحديث بقية.

* كاتب قطري

* د. عبدالحميد الأنصاري