انطلقت دعوة الكاتب مايكل هيرش، في مقاله المنشور في 26/5/2022 بمجلة فورين بوليسي الأميركية والمعنوّن بـ«العالم بحاجة إلى عودة رجال دافوس»، إلى عودة هؤلاء الرجال إلى الواجهة، من آماله بأن ينفذ المنتدى، وعوده بإرساء المساواة الاقتصادية، حتى لو بعد «وقت طويل»، رغم قصر نظر النُخب التي تدعم الحق «على الأقل»!.

استند هيرش، في دعوته تلك التي لم يتوقع يوماً أن يتبنّاها، إلى نوايا النخب «قصيرة النظر» للحفاظ على ما تبقى من مظاهر العولمة التي يجسّد المنتدى مركزيتها «المفرطة»، بالإضافة إلى عقد شراكات ومعالجة مسائل ملحة أخرى.. وبالطبع تناول الغزو الروسي لأوكرانيا ومنع تفكك العالم.

Ad

ولأن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة، كان لا بد ألا يصطدم هيرش، بواقع القوى المجتعة في دافوس فقط والتي «سببت جزءاً من هذه المشاكل»، ولا بضرورة التعاون مع «الأطراف البغيضة»، ولكنه اصطدم أيضاً، وفي مقاله نفسه، بسمعة وتاريخ المنتدى الذي انعزل آيديولوجياً وتراجع نفوذ نخبته الليبرالية وترنحت.

وباصطدامه هذا، لم يكلفنا كبير مراسلي فورين بوليسي عناء البحث عما يمكن أن نستند إليه إن حاولنا- على الأقل- استنكار دعوته إلى عودة «رجال دافوس»، حتى لو كان مبعثها أن هؤلاء الرجال تغيرت مواصفاتهم ولم يعدوا بالضرورة رجالاً بيض البشرة، لكنهم في النهاية سيهبطون فوق ذلك الجبل الساحر بطائراتهم الخاصة، ويدفعون رسم الدخول الذي تصل قيمته إلى 29 ألف دولار، ليجتمعوا داخل «نادي العظماء» ليتناولوا الوجبات الخفيفة مع الكافيار، ويتعهدوا بتخفيف حدة التضخم العالمي، أو الفقر الغذائي، اللذين تسبّب أو ساهم فيهما هؤلاء الرجال.

ربما تكون هذه المفارقة هي وقود أصوات المعارضة التي تصاعدت في دافوس وأوردها هيرش في مقاله، والتي كان من أبرزها، خبير الاقتصاد التقدمي جوزيف ستيغليتز الفائز بجائزة نوبل، حيث قال: «إن هدف المنتدى الأصلي والمثالي يرتبط برأسمالية أصحاب المصلحة»، أو اعتبار المؤرخ الهولندي، روتغر بريغمان، «أن حضور منتدى دافوس أشبه بالمشاركة في مؤتمر عن رجال الإطفاء لكن من دون السماح لأحد بالتكلم عن المياه»، أو التساؤل «المهين» لبيتر س. غودمان في مقاله «رجال دافوس: كيف التهم أصحاب المليارات العالم» الذي اعتبر فيه أن «أبناء دافوس» جزءاً من «فصيلة» مختلفة، وأن «رجل دافوس» كائن نادر ولافت: «إنه شخص مفترس لا يكف عن مهاجمة الآخر بلا رادع، ويحاول دوماً توسيع أراضيه والاستيلاء على قوت الآخرين، تزامناً مع حماية نفسه من الانتقام عبر ادعاء صداقته مع الجميع».

إلا أن هذه المفارقة كانت، بالتأكيد، هي وقود «مستصغر الشرر» الذي تطاير من قطع الجمر التي أُعدت لإنضاج بعض اللقيمات الساخنة في قرية الكهوف التي نصبتها حركة «احتلوا دافوس» خارج المنتدى المنعقد في عام 2012، فكانت قادرة على صنع «معظم النار» التي نالت من ثوب الرأسمالية المتدلّي من أعالي جبال الألب السويسرية.

أما «مستصغر الشرر» فكانت هي منطلقاً لمقالي المنشور في شهر يناير من عام 2012 وفي الزاوية نفسها «الراسمالية ومستصغر الشرر»، عقب أيام من احتجاج الحركة الذي نظمه ديفيد روث، زعيم الجناح الشبابي اليساري في الحزب السويسري الاشتراكي العتيق الذي يرجع تاريخه إلى عام 1888، عبر بناء «قرية من الكهوف» الثلجية والمخروطية الصغيرة والتقليدية تعكس التفاوت الطبقي والاختلال الفادح في الدخول اللذين أثارا موجة سخط عارمة في أنحاء العالم، خصوصا في أعقاب أزمة 2008 المالية الطاحنة التي ضربت العديد من الاقتصادات الكبرى والرائدة، فكان -المقال- دعوة، إلى غربلة التجربة الرأسمالية برمتها، مستندة إلى معطيات ونتائج واقعة لا إلى آمال ونوايا طيبة.

تامر عبدالعزيز