تعيش النساء المعنفات في الكويت وضعاً مريراً لا يحسدن عليه، يجمعهن التعنيف، وإن اختلفت أشكاله ومصادره الأسرية، سواء الوالد أو الشقيق أو الأم أو حتى الزوج عندما تنتقل الفتاة إلى بيت الزوجية، ليغدو مصير «المعنفة» متراوحاً بين السجن في البيت أو الهروب واللجوء إلى مستشفى الطب النفسي، وصولاً إلى محاولة الانتحار للتخلص من كابوس العنف الذي يطاردها في حياتها. وانطلاقاً من مسؤوليتها، تفتح «الجريدة»، من خلال هذا التحقيق، ملف تعنيف النساء حتى يصل صوت الضحية إلى نور العدل والعلاج، بدلاً من أن ندفن رؤوسنا في الرمال تحت مزاعم «خلافات أسرية» خاصة، تحل في السر خوفاً على سمعة العائلة أو بأي ذريعة أخرى.

Ad

بينما تنتهي رحلة المعنفات عادة بإفلات الجاني من العقاب لأسباب مجتمعية متعلقة بالعادات والتقاليد، أو تشريعية ترتبط بعدم وجود نظام قانوني أو لوائح أو توجيهات واضحة في التعاطي مع مثل هذه القضايا، يكشف الواقع عن معاناة معنفات من الاحتجاز في منزل ذويهن، يحاولن الانتحار بعد يأسهن من الوصول إلى النجدة، في مقابل أخريات يلجأن للطب النفسي، إلا أنهن يصطدمن بالواقع ويكتشفن عدم وجود من يحميهن، حتى الشرطة التي تعتبر غالبا والد المرأة مسؤولاً عنها دون أن تحاول الوصول إليها للتأكد من سلامتها، وبعضهن نجحن في الهروب من العنف إلا أن الكوابيس ظلت تلاحقهن، فزادت مخاوفهن حتى أصبحن مضطربات يخفن من كل شخص حولهن.

نماذج كثيرة رصدتها «الجريدة» في ظاهرة العنف التي تتعرض لها النساء، تكشف عن حالات كثيرة مكبلة بالكثير من السلاسل المحكمة، وأبرزها عادات المجتمع والشرف والسمعة، فضلاً عن القانون الذي لا يطبق على الجاني، ولا يعتبر المرأة سوى شيء تملكه العائلة، ليصل بهم الأمر إلى حبسها وأحياناً قتلها.

وقال المحامي عبدالعزيز الخطيب، إنه يوجد في الكويت معنفات من النساء ومعنفون من الأطفال يواجهون فكرا تقليديا قديما لا يريد أن يساير الزمن، إذ إن القانون الآن يوجد به أوجه لعلاج مثل هذه الأمور، ولكنه يحتاج إلى أمرين: أولهما وعي المريض نفسه، وثانيهما أن يكون دور هذه المؤسسات العلاج وتوعية الناس لهذا الأمر.

وأضاف الخطيب لـ «الجريدة» أن «حبس الشخص جريمة سواء في المنزل أو بالطب النفسي، ومن يقرر حبسها في الطب النفسي هو تقرير الطبيب إن كانت الحالة شديدة أو لا»، مردفاً أن «دورنا توجيه النساء حتى يفهمن حقوقهن، وليس من حق الأب أن يحجز ابنته في الطب النفسي إن كانت حالتها لا تحتاج».

الطب النفسي

وأشار إلى دور مستشفى الطب النفسي، قائلا إنه مرفق خدمي مهمته علاج الأمراض النفسية، ووجوده ضرورة ويحقق الكثير من الفائدة، مستطردا: من يستخدم هذا المرفق للحبس بدلاً من العلاج يعتبر ذلك حبسا دون وجه حق، واعتداء على الحرية، وبالتالي سيحاسب كل العاملين في المرفق إذا اشتركوا في حبس شخص لا يحتاج إلى الحبس إن تواجدت الدلائل.

الإبلاغ

وفيما يتعلق بالأجهزة الأمنية، قال الخطيب «يجب أن تصل المعنفة إلى الجهات الأمنية، إلا أن هناك عقليات داخل الجهاز الأمني تنظر إلى حالات التعنيف على أنها حالات أسرية، ويجب أن تكون في حالة من السرية، وهذا تخلف، لكن حتى يتم تطوير العقلية يجب أن يكون هناك جهة خارجية توصل الشكوى للنيابة، إذ إنها ليست مثل المخفر وتتعامل مع الشكوى بكل جدية وحذر».

وأوضح أن أي شخص يشاهد جريمة عليه أن يبلغ عنها، وان لم يبلغ يحاسبه القانون، وإن وجد حالة جادة وعليها دلائل واضحة ولا تتحرك الشرطة يعاقب جزائياً من تسلم البلاغ ولم يتحرك.

الواسطة والقانون

من جانبها، قالت المحامية في مجال حقوق الإنسان إسراء العميري، لـ «الجريدة» إن مؤسسات الدولة المعنية كوزارتي الصحة والداخلية لا تملك نظاماً قانونياً أو لوائح أو توجيهات واضحة في التعاطي مع مثل هذه القضايا، مضيفة: مع غياب الجانب القانوني الملزم لاتخاذ الإجراءات والتحركات اللازمة يأتي الجانب الاجتماعي باستغلال الواسطة حتى يتم «إخفاء» موضوع المعنفة.

وأشارت إلى أنها لا تلوم المجتمع بقدر لومها للدولة، لأن الدولة هي المسؤول الأول عن إيجاد نظام قانوني قوي، وبنفس الوقت مسؤولة عن تغيير الثقافة الاجتماعية المبنية على سلطة أفراد معينين على أفراد آخرين.

استغلال دور الرعاية

وأضافت العميري أنه لغياب دور الإيواء المخصصة للنساء المعنفات تم استغلال دور الرعاية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية، بغرض زجر أو حبس النساء وتقييد حريتهم في حال مخالفتهن بعض القيم المجتمعية.

وتابعت: هناك إشكالية في دور الإيواء المعدة خصوصاً لإيواء النساء المعنفات، لذلك أعددنا دراسة قانونية في سنة 2016 ممولة من مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، وكانت عن فلسفة دور الإيواء ومراكز الاستماع وآلية الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، مردفة: بعد ذلك أعددنا مسودة قانون لإنشاء هذه الدور، وفي 2017 قالت الوزيرة آنذاك نورية الصبيح «قريباً جداً سيتم افتتاح أول دار إيواء خلال حفل إطلاق الدراسة والقانون في الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية».

دور الإيواء

وأكملت العميري: بعد إقرار قانون رقم 6 لسنة 2016 الخاص بالحماية من العنف المنزلي، والذي يشمل ضمن آليات الحماية أن يكون هناك دور إيواء للنساء وأطفالهن، تم التواصل مع الأمانة العامة للتخطيط والتنمية وأخذ الموافقة من الأمين العام د. خالد مهدي، حيث قمت بعمل مشروع بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وهيئة الأمم المتحدة للمرأة وخبراء محليين مثل د. لبنى القاضي وشيخة الهاشم، وأعددنا دليلاً كاملاً عن كيفية تطبيق قانون رقم 6 لسنة 2016 بأفضل الطرق، وفقاً للمعايير الدولية، وتم تسليمه إلى مهدي في مارس 2021، مردفة: حتى اليوم لا يوجد أي لائحة تنفيذية للقانون، ولا أي إجراء اتخذ لتطبيق هذا الدليل.

جدية الحكومة

وفيما يتعلق بالتنفيذ، قالت العميري: لديّ استشعار أن الدولة غير جادة بتطبيق هذا القانون، هي فقط دفعت بالقانون من دون جدية في التنفيذ، لذلك بدأنا بالمتابعة، ومن خلال العمل على هذا المشروع علمت أن مركز «فنر» غير صالح للسكن، وهذا انتهاك لأهم مبادئ دور الإيواء، حتى مكانه غير مناسب، متابعة: وعندما استفسرنا عن البديل كان الجواب سنعمل على إيجاد دار أخرى، وأنا شخصيا أشكك بذلك.

وبشأن وجود دار إيوار للمعنفات في الكويت، أوضحت أن هناك دارا في مكان معيّن، لكنها قائمة على جهود شخصية تطوعية ومن غير حماية، مستطردة: مع كامل الاحترام للمتطوعين، لكن لا نحتاج متطوعين في قضايا خطرة مثل التعنيف بقدر حاجتنا إلى متخصصين، وهذا العمل مسؤولية الدولة المتراخية جدا في التعاطي مع هذه القضية.

جهة محايدة

بدوره، قال رئيس قسم الطب النفسي في مركز الكويت للصحة النفسية، د. عمار الصايغ، إنه في بعض الأحيان تتحول لنا حالات من وجهة نظر الأهل أنها تعتبر مريضة نفسية، خاصة اذا كانت فتاة ولا تسمع كلام الأهل، فيرون أنها تعاني حالة نفسية فيأتون بها للمستشفى، مردفاً: نحن كجهة نكون محايدين بين الأهل والمريض، لذلك لا بدّ من التقييم، فنبدأ في إيداع المريضة في الجناح حتى نقيّم حالتها، وإذا كانت حالتها تستدعي علاجاً نبدأ بالعلاج، مؤكداً أنه في بعض الأحيان تكون حالتها مستقرة ولا تحتاج إلى دخول، لكن الأهل يرفضون أخذها للمنزل.

وأكمل الصايغ: هناك بعض الحالات يكون فيها تعنّت وتخوّف من طرف الأهل لأخذ البنت للمنزل، لذلك نأخذ فترة لنحاول أن نصلح بين الأهل وبينها، وبعض الأحيان نتدخل كعلاج سلوكي أو معرفي أن نفهم البنت والأهل في المشاكل التي يمرّون بها.

حماية السريّة

وفيما يتعلق بالإبلاغ عن المعنفات اللاتي يتعرّضن للضرب، قال الصايغ: نعطيهم الفرصة لتقديم البلاغ للشرطة، لكنّ الطب النفسي ليس مخولاً بالإبلاغ، فالقانون لا يعطي صفة للمستشفى أن يبلغ بالإنابة عن المريضة (المعنفة)، فنحن لسنا محامين عن المرضى، ومن يستطيع الإبلاغ هو المريض أو المحامي الذي ينوب عنه.

وأضاف أن الهاتف موجود داخل الأجنحة، ولا نمنع أحدا من استخدامه، لكن في الجناح بعض المرضى وحماية لسرّيتهم نمنع دخول أي شخص للجناح، والزيارات مسموحة لأقرباء الدرجة الأولى أو أحد له صفة رسمية له الحق في زيارة الجناح، مؤكداً أن هناك عدة حالات تعاملت مع ديوان حقوق الإنسان.

ضرب وشتائم وتعامل غير إنساني تضاعف أزمتهن

التقت «الجريدة» عدداً من النساء في الكويت واللاتي تعرّضن للعنف من قبل الأهل، إذ كشفن عن معاناتهن الأليمة، وقالت إحداهن إن أهلي حبسوني في مستشفى الطب النفسي، بعد وفاة والدي حتى يستولوا على ميراثي.

وأضافت أن «الطب النفسي» كان صدمة لم أتوقعها من قبل، فعندما دخلت المستشفى رأيت الكثير من الفتيات الطبيعيات، ومع الوقت اكتشفت أن لكل وحدة منهن قصة مشابهة، حيث هناك من حبست 4 سنوات، والسبب هو تنصّل الأب من المسؤولية، وأخرى معنفة من زوجها ولا يريد أن يطلّق لأسباب مالية.

وتابعت: كانت الصدمة الأخرى هي تعامل الممرضات مع جميع المريضات بنفس المستوى، كما أنهن يضربنهن ويشتمنهن، في تعامل لا إنساني.

وقالت معنفة أخرى إنه مع تطوّر الطب النفسي في الكويت خاصة مع قانون 2019، ومع التوعية التي حصلت في الفترة الأخيرة، توقعت على الأقل أن ألتقي أطباء يتعاملون معي على أساس أنهم أطباء، إلا أنني تعرّضت لصدمة، فلا يعقل أنني أقول للدكتورة جسمي به كدمات، ولا تسأل ماذا حدث، ولا تطلب الشرطة قبل أن تودعني في مكان لـ 10 أيام.

وأردفت: أخبرتهم أنني أريد التواصل مع المحامي، لكن لا أحد يرد عليّ!

فيما ذكرت معنفة ثالثة أنها إلى اليوم لا تعلم لماذا كان والدها يضربها بكل شيء أمامه، مضيفة: أمي كانت تحاول مساعدتي فتواصلت مع بقية أهلنا، إلا أنهم قالوا هذا شيء عادي، وهذا والدك، وكانوا يببرون له عنفه، مستطردة: بعدها لم أتكلم ولم أفعل أي شي بالمنزل، التزمت الصمت شهرا.

وطالبت بالالتفات إلى المعنفات أو حتى النساء المستقلات، قائلة: نحن أرواح ولسنا بنات غير مو زينات، ولم نصل إلى مرحلة الاستقلال إلا لسبب، ولليوم نواجه صعوبات من جميع النواحي من الأهل والمجتمع.

حصة المطيري