رفضت محكمة التمييز الجزائية برئاسة المستشار عبدالله جاسم العبدالله الطعن المقام من النيابة العامة بطلب ادانة 18 متهما شاركوا في الانتخابات الفرعية لقبيلة قحطان والهوجر في الدائرة الانتخابية الخامسة، وقضت برفض الطعن مع تأييدها حيثيات حكم محكمة اول درجة والاستئناف ببراءة جميع المتهمين من التهم المنسوبة اليهم من جرائم تنظيم الانتخابات الفرعية ومخالفة قانون الاشتراطات الصحية الخاصة بعدم إقامة تجمعات.

ورفضت «التمييز» مبررات النيابة العامة بطلب ادانة المتهمين لعدم سلامتها، مقرة صحة احكام محكمة اول درجة والاستئناف ببراءتهم، استنادا إلى الشك في ارتكابهم الواقعة.

Ad

وقالت المحكمة، في حيثيات حكمها، ان النيابة العامة تنعى على الحكم المطعون فيه أنه إذ قضى ببراءة المطعون ضدهم من الجريمتين المسندتين إليهم، قد شابه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق، ذلك انه بنى قضاءه استنادا إلى خلو الأوراق من دليل يقيني قبلهم دون أن يعرض لدلالة التغريدات ومحاضر فرز الأصوات والمقاطع المصورة وما ثبت بكشوف أبراج الاتصالات، والتي تؤيد تحريات المباحث وأقوال مجريها، ولم يقل كلمته في تلك الأدلة، بما ينبئ أن المحكمة لم تمحص الدعوى وأدلتها عن بصر وبصيرة، وهو ما يعيب الحكم ويوجب تمييزه.

وأضافت ان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى كما صورتها سلطة الاتهام وأورد مؤدى أدلة الثبوت التي ركنت إليها النيابة العامة في ثبوت الاتهام في حق المطعون ضدهم، أقام قضاءه ببراءتهم مما نسب إليهم، بقوله إن «المحكمة تستظهر من واقع الأوراق أن ما أسند للمتهمين من اتهام لم يكن محلا لاطمئنانها وقد داخلها الشك والريبة في صحته، وآية ذلك أن الاتهام قد ارتكز على مجرد أقوال وتحريات ضابط المباحث، والذي نسب الاتهام فيها إلى المتهمين بشكل جزافي غير محدد ودقيق ولم يبين فيه دور كل متهم فيما نسب إليه وذلك ببيان كيفية مشاركته في الانتخابات والمحل الذي كان يتواجد فيه ومكان تصويته».

وبينت أن الحكم يتضمن أن «ضابط المباحث تحدث في تحرياته عن وقائع بعضها متناقض والبعض الآخر يجافي العقل والمنطق، ومنها أن عدد المشاركين في الانتخابات بلغ 11279 ناخبا وهو عدد كبير لا يتناسب مع عدد المقار والصناديق التي جاءت في سياق مضمون تحرياته، بالإضافة إلى اختلاف الأسماء المدونة في صور الكشوفات المنسوبة للانتخابات الفرعية مع أسماء بعض المتهمين في تقرير الاتهام، كما أن ضابط المباحث ذكر في أقواله وتحرياته أنه كان يراقب المنازل التي أقيمت فيها الانتخابات وشاهد توافد أعداد كبيرة من السيارات عليها، وكان عليه إن صحت تحرياته أن يطلب من النيابة العامة الإذن له بضبط المتهمين، سيما أن المنطق يفترض استغراق العملية الانتخابية مدة طويلة حتى الانتهاء منها ولديه وقت كاف لاستصدار الإذن دون حاجة لضبط المتهمين بالرغم من كونهم بحالة الجريمة المشهودة والتي تجيز له أيضا القبض عليهم، وذلك بحسب مضمون تحرياته وأقواله بالتحقيقات».

وذكرت أن المحكمة رأت، بناء على ما سلف، أن القدر المتيقن من الوقائع التي سردها ضابط المباحث حسبما هو ثابت بالأوراق إنما هو مجرد استنتاج وتحليل من قبل ضابط المباحث لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي بما تضمنته من فيديوهات وصور مرفقة بالأوراق، وتلك التخمينات الافتراضية لا تكفي وحدها للإدانة بل تتطلب أن يساندها أدلة مادية متحصلة من أرض الواقع مثل ضبط المتهمين متلبسين أو ضبط أدوات الجريمة (صناديق وأوراق الانتخاب وغيرها) أو شهادة شهود غير ضابط الواقعة.

وأضافت أن «الحال مماثل في التهمة الثانية المسندة للمتهمين والتي نسبت إليهم إقامة تجمعات وآخرين مجهولين بالمنازل المدينة بالأوراق بالمخالفة لقرار السلطات بحظر إقامة التجمعات، وكانت الأوراق قد تضمنت عدة منازل في مناطق مختلفة دون بيان مكان تواجد كل متهم تحديدا (في أي منزل) وعدد المتواجدين في هذا المنزل ووقت تواجدهم، ومن ثم كانت التهم المنسوبة للمتهمين محاطة بالكثير من الشكوك والريب، ولا يكفي دليلها المرسل الوحيد أن يكون سنداً للإدانة، ولما كانت الأحكام الجزائية دائما ما تبنى على الجزم واليقين لا على الشك و الاستنتاج والتخمين، فالأمر يتعين معه القضاء ببراءة المتهمين مما أسند إليهم، عملا بنص المادة 172 من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية وعلى النحو المبين بالمنطوق».

وبينت المحكمة انه لما كان ذلك، كان من المقرر أن يكفي محكمة الموضوع أن تتشكك في صحة اسناد التهمة للمتهم كي تقضي له بالبراءة، مادامت قد أحاطت بالدعوى عن بصر وبصيرة وخلا حكمها من عيوب التسبيب، إذ مرجع الأمر في ذلك إلى مبلغ اطمئنانها في تقدير الأدلة، وإذ كان البين من الحكم المطعون فيه أن المحكمة قد أحاطت بواقعة الدعوى وألمت بأدلة الثبوت، وأن الأسباب التي ساقها الحكم على النحو المتقدم من شأنها أن تؤدي في مجموعها إلى ما رتب عليها من شك في صحة إسناد التهمة إلى المطعون ضدهم، ومن ثم فإن ما يخوض فيه الطعن من مناقشة كل سبب منها على حدة لا يعدو في حقيقته أن يكون جدلا موضوعيا حول سلطة محكمة الموضوع في تقدير أدلة الدعوى، ومبلغ اطمئنانها هي إليها مما لا تقبل إثارته أمام محكمة التمييز.

وأضافت أنه إذ قضى الحكم المطعون فيه ببراءة المطعون ضدهم تأسيسا على الشك وعدم الاطمئنان إلى كفاية أقوال شاهد الإثبات وتحرياته للقضاء بالإدانة وباقي القرائن التي ساقتها النيابة العامة، وكانت المحكمة غير ملزمة في حالة القضاء بالبراءة بالرد على كل دليل من أدلة الاتهام، لأن في إغفالها التحدث عنها ما يفيد أنها طرحتها ولم تر فيها ما تطمئن معه إلى إدانة المتهمين، كما أنه لا يعيب حكمها - في هذه الحالة – عدم تصديه لما ساقته النيابة العامة من قرائن تشير إلى ثبوت الاتهام مادامت المحكمة قد قطعت في أصل الواقعة وتشككت في إسناد التهمة إلى المتهمين - كالحال في الدعوى المطروحة – وعليه فإن كل ما يثيره الطعن بشأن تشكك المحكمة في صحة ما نسب إلى المطعون ضدهم ينحل في حقيقته إلى جدل حول تقدير الدليل، وفي سلطة محكمة الموضوع في وزن عناصر الدعوى واستنباط معتقدها، وهو ما لا تجوز إثارته أمام محكمة التمييز.

حسين العبدالله